قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

16

من

وقال ابن المبارك: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا. وذلك العلم مثل ما قدمناه التفسير والمواعظ. فإذا تعلمه الطالب وقصد به الدنيا فلا بأس أن يتركه فإنه ربما يتشمر له الطالب طمعاً فى الوعظ به للجاه والاستتباع، ولكن ربما يتنبه في آخر الأمر إذ فيه العلوم المخوفة من الله عز وجل المحقرة للدنيا؛ المعظمة للآخرة، وذلك يوشك أن يرده إلى قصد الآخرة حتى يتعظ بما يعظ به غيره، ويجرى حب القبول والجاه مجرى الحب الذى ينثر حوالى الفخ ليقتنص به الطير، وقد فعل الله ذلك لعباده إذ خلق الشهوة ليصل الخلق بها إلى بقاء النسل، وخلق أيضاً حب الجاه ليكون سبباً لإحياء العلوم، وهذا متوقع في هذه العلوم، وأما علوم المجادلات والفتاوى والخصومات والأشعار التي فيها السخف وأشباه ذلك، فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب وغفلة عن الله سبحانه وتمادياً في الضلال وجمعاً للحطام، إلا من تداركه الله سبحانه برحمته. وأما إذا كان الداعى إلى التعلم شراً كامنا ومكراً باطنا يريد أن يستعملهما المتعلم في شبهة دينية وحيل فقهية لا يجد أهل السلامة عنها مخلصاً ولا فيها مدفعاً. كماقال النبي عليه السلام: لا أخاف على أمتى مؤمناً ولا مشركا لأن المؤمن قد شغله إيمانه، والمشرك قد أذله الله

بشركه، ولكن أخاف عليكم منافقاً عالم اللسان جاهل القلب … الحديثه.

وقال عليه السلام: «أهلك أمتى رجلان: عالم فاجر، وجاهل متعبد.» (?) وقيل: يا رسول الله، أى الناس شر: فقال: «العلماء إذا فدوا (2) فينبغي للعالم إذا رأى من هذا حاله أن يمنعه من طلبته، ولا يعينه على إمضاء مكره وخديعته؛ فإن إعانة من هذه

حالته بسلاح العلم يجرى مجرى إعانة قاطع الطريق بالسلاح.

(?) رواه ابن عبد البر من حديث ابن وهب.

•

د (?) ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ?: 193