قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

—

—

وهذه فتنة عظيمة للعلماء، وذريعة صعبة للشيطان عليهم لا سيما من له لهجة مقبولة وكلام حلو، إذ لا يزال الشيطان يلقى إليه أن فى وعظك لهم ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعار الشرع إلى أن يخيل إليه أن الدخول عليهم من الدين، ثم إذا دخل لم يلبث أن يتلطف في الكلام ويداهن ويخوض فى الثناء والمدح والدعاء، وفيه هلاك الدين.

وكان يقال: العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا.

ويروى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن: أما بعد، فأثر على بقوم أستعين بهم على أمر الله تعالى. فكتب إليه: أما أهل الدين فلن يريدوك، وأما أهل الدنيا فلن تريدهم، ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة. هذا في عمر بن عبد العزيز وكان أزهد أهل زمانه، ولم ينقم منه أصحابنا إلا توقفه في عثمان ومن كان مثله من أهل بيته، ودخوله الإمارة بغير مشورة من المسلمين، فإذا كان شرط الدين الهرب منه فكيف ترجى السلامة فى مخالطة غيره؟! ولم يزل علماء السلف مثل الحسن وجابر بن زيد وغيرهم من علماء الفرق والمذاهب يتكلمون في العلماء من أهل الدنيا لميلهم إلى الدنيا ومخالطتهم السلطان وبالله التوفيق

ومن علامات علماء الآخرة: أن لا يكون العالم مسارعاً إلى الفتوى، بل يكون متوقفاً ما وجد إلى الخلاص سبيلا، فإن سئل عما يعلمه تحقيقا بنص كتاب الله تعالى، أو بنص حديث رسوله عليه السلام، أو بإجماع الأمة أو بقياس جلى أفتى، وإن سئل عما يشك فيه قال لا أدرى، وإن سئل عما يظنه باجتهاد أو تخمين رأى احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره إن كان في غيره غنية هو الحزم لأن تقلد الاجتهاد خطر عظيم، ولذلك