قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

1

2410

عن المشاورة. فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها. وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، وأقبلوا على الله سبحانه بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرتهم

قال: فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى قوم تولوا بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، أضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجارى أحكامهم. وكان قد يقى من علماء التابعين من هو مستمر على الطريق (?) الأول وملازم صفو الدين، ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات؛ فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الولاة والأئمة عليهم مع إعراضهم عنهم فأشرأ بوا (?) لطلب العلم توصلا إلى نيل القدر ودرك الجاه من قبل الولاة، وتفرغوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم؛ فمنهم من حرم ومنهم من أنجح. والمنجح لم يخل عن ذل الطلب ومهانة الإبتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله عز وجل في كل عصر من علماء دينه.

سمع

•

وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات .. ثم ظهر بعدهم من الأمراء من مقالات الناس في قواعد العقائد، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيه فعلم رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام، فانكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله تعالى، والنضال عن السنة، وقمع المبتدعة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم الإستقلال بفتاوى الدين وتقلد أحكام المسلمين إشفاقا على خالق الله تعالى، ونصيحة لهم

(1) في المحياء علوم الدين: الطراز

(?) اشرأب له إذا رفع رأسه ومد عنقه اينظر

18