كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦-
242 -
—
ثم ظهر بعد ذلك من الأمراء من لم يستصوب الخوض في الكلام، وقبح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد فى فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبى حنيفة على الخصوص. فترك الناس الكلام وفنون العلم، واندفعوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتاهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد وغيرهم
·
وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتفريع علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى. فأكثروا فيه التصانيف والإستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن (?)
قال: وليس ندرى ما الذى قدر الله تعالى فما بعدنا من الأعصار. فهذا هو هو الباعث على الإنكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير
قال: ثم مال الناس إلى ما ذكرنا من الكلام والمجادلات، وإلى القصص والوعظ، فأخذ علم المتقين في الإندراس من ذلك الزمان الأول، فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكايد الشيطان، وأعرض عن ذلك إلا الأقلون. فصار
يسمى المجادل المتكلم عالما، والقاص والمزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالماً
قال: وهذا لأن العوام هم المستمعون إليهم، وكان لا يتميز لهم حقيقة العلم عن غيره ولم تكن. سيرة الصحابة وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون به مباينة هؤلاء لهم:
فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث اللقب خلف عن سلف، وأصبح علم الآخرة مطويا
وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام إلا عن الخواص منهم
(1) أى الوقت الذى كتب فيه الغزالي رحمه الله هذا الكلام.
،
?