قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ٣١١

-

???

—

مفارسها وهي في القلب، وإنما فزع لأكثرون إلى الأعمال الظاهرة دون تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح واستصحاب أعمال القلوب، كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب الأدوية المرة، فلا يزال يتعب في الطلاء ويزيد فى المواد وتتضاعف به الأمراض؛ فإن كنت مريداً للآخرة وطالباً للنجاة، وهارباً من هلاك الأبد فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها على ماسيأتى إن شاء الله؛ فإنك إذا فعلت ذلك انجر ذلك بك إلى المقامات المحمودة التي تأتى مشروحة إن شاء الله فإن القلب إذا فرغ من المذموم امتلأ بالمحمود، كالأرض إذا نقيت من الحشيش نبت فيها أصناف الزرع والرياحين، فإن لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات لا سيما وفى الخلق من قام به، فإن مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه. فما أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب داخل ثيابه و همت بقتله وهو يطلب مذبة يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذا همت به! وإن تفرغت من نفسك وتطهيرها، وقدرت على ترك ظاهر الإثم وباطنه فصار ذلك ديدنا لك وعادة متيسرة فيك - وما أبعد ذلك - فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فيها؛ ـ فابتدئ بكتاب الله تعالى ثم بسنة رسوله عليه السلام، ثم بعلم التفسير وسائر علم القرآن من علم الناسخ والمنسوخ، والمقطوع والموصول، والمحكم والمتشابه. وكذلك في السنة، ثم اشتغل بالفروع، وهو علم المذهب من الفقه دون الخلاف ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلوم بما يتسع له العمر ويساعد فيه الوقت، ولا تستغرق عمرك في واحد منها طلباً للاستقصاء، فإن العلم كثير والعمر قصير، وهذه العلوم آلات ومقدمات وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها، وكل ما يطلب لغيره فلا يليق أن يُنسى من أجله المطلوب ويستكثر منه، فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم به كلام العرب وتنطق به، ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث، ودع التعمق فيه، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة، ومن علم الكلام على ما تحفظ به التوحيد والإعتقاد من تشويش المبتدعة على نفسك واختلاسها قلوب العوام من معتقدى مذهب المسلمين، وكن متيقظاً لمكايد النفس، متحرزاً من شياطين الجن والإنس، وبالجملة فالمرضى عند العقلاء أن تعد