كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨304
—
مع تماثلها؟ أو كيف يكون الحيوان مستبداً بالإختراع والخلق؟ وقد يصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوى الألباب، فكيف انفردت هي بخلقها و اختراعها دون رب الأرباب جل جلاله وهى غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الإكتساب؟ هيهات هيهات! دلت المخلوقات على انفراد جبار الأرض والسماوات بالخلق والإختراع، والانشاء والابتداع، والايجاد والابداع.
الأصل التالى: أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد وسكناتهم لا يخرجها عن كونها مقدرة للعباد على سبيل الإكتساب. فالله - سبحانه ـ خلق القدرة والمقدور جميعاً، والكسب والمكتسب جميعا، فأما القدرة فوصف اللعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له. وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف اللعبد وكسب له، فإنها خلقت بقدرة هي وصفه. فكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة، فسميت باعتار تلك النسبة كسباً. وكيف يكون الفعل جبراً محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية؟ أو يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها؟ فإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الإعتقاد: وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً و بقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يُعبر عنها بالإكتساب. وقد قال تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم (?) «
a
فأضاف القتل إلى العباد والتعذيب إلى نفسه فى فعل واحد، والتعذيب هو عين القتل
بل صرح وقال: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت اذ رميت ولكن الله ومى، (?) وهو جمع بين النفى والاثبات ظاهراً، فكأنه قال: وما رميت بالمعنى الذى يكون به الرب رامياً إذ رميت بالمعنى الذى يكون به العبد راميا. فرد تعالى في هذه الآية على المعتزلة والمجبرة جميعاً، ولأنه ليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط إذ قدرة الله تعالى في الأزل كانت متعلقة بالمخلوقات ولم يكن الاختراع
(1) التوبة: 14
(?) الأنفال: 17