كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤-
لا
بمجرد العقل - خلافا للمعتزلة - لأن العقل إن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال؛ لأن العقل لا يوجب العبث. وإما أن يوجبها لفائدة وغرض، وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى غرض المعبود وذلك محال [في حقه تعالى] (?)؛ فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد، بل الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان في حقه سيان. وإما أن يرجع إلى غرض العبد وهو محال؛ لأنه لاغرض له في الحال، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه وليس في المال (?) إلا الثواب. ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيت على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليها مع أن الطاعة والمعصية في حقه سيان؛ إذ ليس له إلى أحدهما ميل، ولا لأحدهما به اختصاص، وإنما عرف تميز ذلك بالشرع: ولقد زل أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق المخلوق بين الشكر والكفران من لما له [من] التلذذ بأحدهما دون الآخر
فإن قيل: فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع، والشرع لا يستقر إلا بنظر المكلف: فيه، فإذا قال المكلف للنبي: إن العقل ليس يوجب على النظر، والشرع لا يثبت إلا بالنظر، ولست أقدم على النظر إذاً، فيؤدى ذلك إلى إفحام الرسول [صلى الله عليه وسلم]. قلنا: هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع: إن وراءك سبعاً ضاريا، فإن لم تنزعج عن المكان قتلك، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقى، فيقول الواقف: لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائى، ولا ألتفت وراثى: ولا أنظر ما لم يثبت صدقك، فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتعرضه للهلاك، ولا ضرر فيه على الهادى المرشد. فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وراءكم الموت، ودونه السباع الضارية والتيران المحرقة، إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدق بالإلتفات إلى معجزتي، فمن التفت عرف واحترز ونجا، ومن لم يلتفت وأصر هالك وتردى، ولاضرر على إن هلك الناس
(?) زيادة من إحياء علوم الدين ج ?: ???
(?) المآل: المصير والمرجم.