كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٣٦أحمده حمد من أخلص له الإنابة (?) وأدعوه دعاء مؤمل منه الإجابة. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك المحمود، الذي ليس بوالد ولا مولود. وأشهد أن محمداً عبده المرتضى ورسوله المصطفى أرسله إلى الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، فبلغ رسالة ربه، ناصحا لأمته، حتى أتاه من ربه اليقين، بعد كمال الدين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، وأصحابه المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أما بعد، فقد إنكشف لأرباب القلوب، بحقائق الإيمان، وواضح محكمات القرآن أن لا وصول للعبد إلى السعادة الأبدية إلا بالعلم وأمتثال العبادة الدينية، وهما بضاعة الأولياء، ومنهاج الأقوياء، وهما دين الله القويم، وصرا راطه اطه المستقيم، لأجله خلق الموت
والحياة، وبسببه تنال عنده النجاة.
ولكنه طريق صعبة المالك، مخيفة المهالك، كثيرة العوائق والموانع، غزيرة الأعداء والقواطع، بعيدة المسافات، كثيرة الآفات. ذات شعاب وأودية، وعقبات وأهوية (2) محفوفة باللصوص والقطاع، مشحونة بالأفاعي والسباع، تنبعث فيها الشياطين الموسوسة، والعقبان المختلسة. قد تشبكت بالأشراك الخاتلة، ومزجت بالسموم القاتلة، وهكذا يجب أن تكون؛ لأنها طريق إلى الجنة ذات الحور والجوهر المكنون، تصديقا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات (?) ومع ذلك أن الله سبحانه خلق الإنسان ضعيفاً، فحمله ثقل الأمانة تكليفاً، وأوجب عليه إتقان حمل تلك الأمانة بالعلم والعمل، والتشمير في آداء حقها بالجد لا بالكسل، فعمر الإنسان قصير، والناقد (4) لأعماله بصير، والجهل مع اتباع الهوى عليه غالب، وا والآفات
(?) ناب إلى الله: تاب ورجع كأناب
•
(?) الأهوية جمع هواء: الجو بين السماء والأرض.
(?) حديث صحيح، أخرجه أحمد ومسلم والترمذي عن أنس. وأخرجه مسلم عن أبي هريرة.
وأحمد في الزهد عن ابن مسعود موقوفاً. (4) الناقد: المميز.