كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٣٧حرم من
الطاعة
محدقة (?) به من كل جانب، والأجل قريب غير مديد، والسفر بعيد صعب شديد، والطاعة هى الزاد فلا بد منها، والدنيا منصرمة فلا مرد لها، فمن ظفر بالزاد منها سهل عليه على الصراط الجواز، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. ومن حرم نصيبه طال عليه في سفره النصب (?) والتعب، ودام عليه في النار الوصب (?) واللهب. فلهذا الخطب الفظيع والهول الشنيع قل السالكون للطريق بالجد والتحقيق، ومنهم من بذل في بدء أمره من النفس بعض المجهود، فطال عليه التعب فانقطع ولم يصل إلى المقصود إلا الأصفياء المخلصين الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء،
والصالحين.
من
قلت: فلما كان الطريق على ما وصفنا من المشقة والمخافة، وكثرة العوائق وبعد المسافة؛ ن الآفات المانعة، والمفازات (4) الشاسعة، والشعاب والأودية، والعقبان المؤذية، رأينا أن نرتب عليها قناطر لكى يمكن للسالكين عليها العبور، حتى تقضى (2) بهم إن شاء الله تعالى إلى درجات السرور، وذلك أن الله سبحانه وتعالى نقل بنى آدم من أصلاب (6) الرجال إلى بطون الأمهات، فخلقهم فيها خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث، فأخرجهم إلى الدنيا جهالا، فأحياهم بالعقول بلغا ورجالا، فأمتازوا بالعقول عن البهائم فصاروا من جملة العقلاء؛ وهم الملائكة الفضلاء. فألزمهم عند كمال العقول طريقة التكليف،
وتقدم إليهم على ألسنة رسله بالإنذار والتخويف. وجعل لهم الأرض ذلولا وفراشا ونباتها معاشاً، لا ليستقروا فيها، بل ليتخذوها منزلا، ويتزودوا منها زادا وعملا. متحررين من مصائدها ومعاطبها، ويتحققوا أن الأعمار تسير بهم سير السفن بركابها؛
(?) محدقة: محيطة (?) النصب: الكد والجهد
(?) الوصب: المرض.
(4) المفازات: الفلاة لا ماء فيها
(ه) تنتهى.
(6) أصلاب الرجال: ظهورهم.
"