كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٣٨٦—
352
ذلك ويصدق
لا كالشمس والقمر، فإنه يصدق بوجودها بالحس وليس العلم بوجود شيء قديم أزلى ضرورياً مثل العلم بأن الإثنين أكثر من الواحد، ولكن ذلك مثل العلم بأن حدوث حادث بلاسبب محال؛ فإن هذا أيضاً ضرورى. فحق غريزة العقل أن تتوقف عن التصديق بوجود القديم على طريق الارتجال والبديهة. ثم من الناس من يسمع بالسماع تصديقاً جزماً ويستمر، وذلك هو الاعتقاد وهو حال جميع العوام. ومن الناس من يصدق به بالبرهان، وهو أن يقال له: إن لم يكن في الوجود قديم فالموجودات كلها حادثة، فإن كانت كلها حادثة فهى حادثة بلا حباب أو فيها حادث بلا سبب وذلك محال فالمؤدى إلى المحال محال. فيلزم في العقل التصديق بشيء قديم بالضرورة؛ لأن الأقسام ثلاثة: وهى؛ إما أن تكون الموجودات كلها قديمة أو كلها حادثة أو بعضها قديمة وبعضها حادثة. فإن كانت كلها قديمة فقد حصل المطلوب، إذ ثبت على الجملة قديم. وإن كان الكل حادثاً فهو محال، إذ يؤدى إلى حدوث بغير سبب فيثبت القسم الثالث أو الأول. فكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقيناً، سواء حصل بحس أو بغريزة العقل كالعلم باستجالة حادث بلا سبب، أو بتواتر كالعلم بوجود مكة، أو بتجربة كالعلم بأن [السقمونيا] (1) المطبوخ مسهل أو بدليل كما ذكرنا. فشرط إطلاق الإسم عندهم عدم الشك؛ فكل المجلم لا يشك فيه يسمى يقينا عند هؤلاء. وعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف إذ لا تفاوت فى نفى الشك. الإصطلاح الثاني للفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء؛ وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك بل إلى استيلائه وغلبته على القلب (?)؛ حتى يقال: فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا شك فيه. ويقال: فلان قوى اليقين في إتيان الرزق مع أنه قد
(?) زيادة من الأحياء. قال في القاموس: والسقمونيا نبات يستخرج من تجاويفه رطوبة دبقة وتجفف وتدعى باسم نباتها أيضا مضاداتها للمعدة والأحشاء أكثر من جميع المسهلات (?) في إحياء علوم الدين: العقل.