كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٤٣السموات والأرض وما فيهما وما بينهما من خفض ورفع، وجوهر وعرض، ويتفكر في اختلاف الليل والنهار وما يجرى به الدهر من الأكوان والأحداث من الخير والشر، والنفع والضر، والشدة والرخاء وغير ذلك. ويستدل بالصنعة على الصانع فيعلم يقيناً أن الصنعة لا بد لها من صانع، وأن الخلق لا بد له من خالق. ثم يمعن النظر في خلقه ونفسه وتسوية جوارحه، وما أفاض عليه الرب سبحانه من أصناف النعم؛ من الحياة، والعقمل والفهم والسمع والبصر والشم وغير ذلك مما لا يحصى كثرة من المعانى الشريفة والملذات العجيبة، وما صرف عنه من أصناف المضار والآفات.
فإذا أمعن النظر بعين البصيرة (1) لا عين البصر، علم أن لهذه الصنعة صانعا ولهذه النعمة منعما حيا، رازقاً، عالما بأسراره وما يختلج فى أفكاره، وقد وعد على شكر النعمة ثواباً، وعلى كفرانها عقاباً، وأنه إن غفل عن شكره وخدمته أزال عنه تلك النعمة، وأذاقه البأس والنقمة عاجلا وآجلا. فيهتاج حينئذ لا محالة في قلبه خاطر الفزع الذي ينبهه عليه في عقله. وتلزمه الحجة وينقطع له العذر من أجله مع سائر الحجج من كتاب
الله ورسوله.
فعند ذلك:
تستقبله القنطرة الثانية: وهى قنطرة الإيمان بهذا الصانع الخالق المنعم الرازق أنه خالقه ورازقه، طلبه فوجده، وعرفه بعد ما جهله، فيؤمن به إيمانا يقينا بالقلب واللسان، ويدوم على ذلك إلى الممات. ويوحده توحيداً خالصاً يرى به الأمور كلها من الخير والشر والنفع والضر رؤية يقطع التفاته إلى الوسائط والأسباب، وهذا التوحيد والإيمان والعلم هي العصا التي يضرب بهاسيد السباع التي استقبلته حين أشرف على مفازة الدنيا المظالمة بالجهل
(1) أمعن. أبعد. والبصيرة. عقيدة القلب والفطانة