كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٤٤1
فيقتله فتفترق عنه سائر الدواب المؤذية التي هي ما دون الشرك من الذنوب تحقيقاً لقوله تعالى: {قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) (?)
فلما عرف العبد سيده ووحده وآمن به وعلمه بعد ما جهله تيقن أنه أوجب عليه خدمته وكلفه شكر نعمته، ولكنه لا يدرى كيف يعبده وماذا يلزمه من خدمته يظاهره وباطنه بعد حصول هذه المعرفه به:
استقبلت القنطرة الثالثة وهى قنطرة الصلاة مقدم فرضها على الصيام في نزول الوحى أول الإسلام لا في حالة التكاليف والإلزام؛ لأن العبد مأمور بجميع الفرائض منهى عن جميع المعاصى في حالة البلوغ. فوجب عليه عند دخول وقتها الإتيان بجميع وظائفها علما وعملا؛ لأنه لما عرف سيده وجب عليه أن يخضع له ويخشع ويذعن له بجميع العبودية؛ فلا عبادة تجمع الخضوع والخشوع والابتهال إلى الله سبحانه والتضرع إليه مثلها. فيجب على العبد الوقوف بين يدى سيده للخدمة بالطهارة الكاملة والخشوع التام، فبذلك يحظى عنده ويرضى عنه، فإذا واظب على الصلاة أورثه ذلك لين الفؤاد وتمرين الجد وتذلل النفس إجادلا لخالقها وأنذلالا لرازقها. فإذا أتى بالصلاة راغباً راهبا:
استقبلته المقنطرة الرابعة وهى قنطرة الصوم عند حلول شهره ووجوب فرضه، مقدم فرضه في النزول على الزكاة أيضا لأن النفوس على الأموال أشح، وفيما يتعلق بالأبدان أسمح؛ وذلك الصيام والصلاة؛ لأن فى إيجاب فرض الصيام حثاً على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم بما قد عاناه العبد وقاساه من شدة المجاعة؛ ولأن الصوم يقهر النفس ويكسر شهوتها المستولية عليها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «معاشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء. (?) فوجب على
(?) الأنفال: 38.
(?) متفق عليه من حديث ابن مسعود