قناطر الخيرات (القسم الأول: قنطرتا العلم والإيمان) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

كتاب قناطر الخيرات

الجزء ١ · صفحة ٤٩

311

الرابع: القضاء من الله سبحانه بالخلق والأمر يرد عليه حالا فحالا والنفس تارع

السخط وتبادر الفتنة؛ فيحتاج إلى قطع قنطرة هذه العوارض الأربعة بأربعة أشياء: بالتوكل على الله سبحانه في موضع الرزق، وبتفويض الأمور إليه في موضع الأخطار، وبالصبر عند نزول الشدائد، وبالرضى عند نزول القضاء. فلما قطع هذه القنطرة بما ذكرناه بإذن الله وحسن عونه، رجع إلى العبادة فنظر فإذا النفس فاترة كسلى، لا تنشط ولا تنبعث للخير والعبادة كما يجب وينبغى، وإنما مياها أبداً إلى غفلة وراحة وبطالة، بل إلى شر وفضول وبلية وجهالة. فاحتاج معها ها هنا إلى سائق يسوقها إلى الخير والطاعة وينشطهاله. وإلى زاجر يزجرها عن الشر والمعصية ويفترها عنه، وهما الرجاء في ثواب الله والخوف من عذابه مع توابعهما من الحذر والإشفاق والشوق والمحبة:

فتستقبله ها هنا قنطرة البواعث، فأحتاج إلى قطعها بالخوف والرجاء كما قدمنا. فلما قطعها بحسن عون الله تعالى وتأييده رجع إلى العبادة فتستقبله هاهنا قنطرة العبادة بالكمال، فيعانقها بالشوق والإجتهاد. إذ لم ير شيئاً شاغلا ولا عائقاً، ووجد باعثاً وداعياً. فنشط في العبادة وإقامتها بتمام الرغبة فيها. فنظر فإذا تبدو لهذه العبادة التي احتمل فيها كل ذلك آفتان عظيمتان هما: الرياء والعجب؛ تارة يرأى الناس بطاعة الله فيفسدها، وتارة يمتنع

من ذلك ويلزم نفسه فيعجب بها ويحبط العبادة عليها ويتلفها.

فاستقبلته ها هنا قنطره القوادح فى الأعمال، المبطلة لها، فاحتاج إن قطعها بذكر المنة والإخلاص ونحو ذلك، ليسلم له ما يعمل من خير وعبادة. فلما قطعها بجد واحتياط وحسن عصمة الله وتأييده. فلما فرغ من هذا كله حصلت العبادة، وسلمت من كل آفة، ولكنه نظر فإذا هو غريق في بحور منن الله تعالى وكثرة أياديه (1) من إمداد التوفيق والعصمة وأنواع التأييد والحراسة فخاف أن يكون منه إغفال للشكر. فيقع في الكفران فتزول عنه تلك النعم الكريمة من ألطاف الله تعالى وحسن نظره

(1) أياديه: نعمه وأفضاله.