كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٥٠—
فتستقبل هاهنا قنطرة الحمد والشكر على كثير نعمه تعالى. فلما فرغ من هذه القنطرة نزل فإذا هو بمقصوده من العبادة بين يديه، فلم يسر إلا قليلا حتى وقع بميدان الأنس والرضا وبساتين المحبة واللقاء، وصحراء الشوق وعرصات المعرفة ومجلس المناجاة
فارتفع ها هنا على بساط قنطرة المناجاة فهو يتنعم في لذة العبادات وباط المجاهدات أيام حياته وبقية عمره، تارة يتنعم بلذة الشوق والمحبة ويتلذذ بحلاوة الرجاء والطمع، وتارة ينقبض بخوف الخاتمة، فبينما هو يبادر الموت راغباً راهباً، ويتوقع القدوم على الله تعالى آمناً مطمئناً:
فيظهرها هذا قنطره خوف الخاتمة. قال: فبينما العبد يجتهد في الدعاء والتضرع ويتنعم في المجاهدة والتخشع، ويبادر الخاتمة بالخوف والقلق، خائفاً من حرقة الطردو الإهانة، ووحشة البعد والضلالة، ومرارة العزل والإزالة، وقد خلف جملة القناطر، وانشرح له القلب بالعلوم والبصائر. وقد طهره الله سبحانه من الأوزار والكبائر، وسبق العوائق الشاغلة، ودفع عن نفسه العوارض المانعة، وظفر بالبواعث والزواجر، وسلم من القوادح
المبطلة؛
فبينما هو كذلك أن أشرف على قنطرة الموت بشخص في الدنيا أرضى، وقلب في. العقبى سماوى، وقد استقذر الدنيا وحن إلى الملأ الأعلى. واستبطأ البريد واشتاق إلى اللقاء فبينما هو كذلك إذا برسل رب العالمين قد وردوا عليه بالروح والريحان، والبشرى والرضوان، من عند رب راض غير غضبان. فتلقاه في طيبة النفس وتمام البشرى والأنس من هذه الدار الفانية المغنية إلى الحضرة الإلهية، والجنة العالية. فيكون القبر له روضة من رياض الجنة، ويوفق للصواب عند أمتحان الملكين إياه بالسؤال والفتنة، ويعرض روحه على مقعده من الجنة في كل غدوة وعشية. فإذا بعث من قبره حمل على نجائب الكرامة آمنا من الفزع الأكبر وأهوال يوم القيامة، ويكون وجهه كالقمر ليلة التمام