كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٥٧الليل فتجد فيه مصباحين يقد ان، فلما أعتقت انطفأ مصباح واحد وبقى آخر والله تعالى
أعلم، فنسأل الله البر الرحيم أن يمن علينا وعليكم بالتوفيق،
فصل
رحمهم
إعلموا - رحمكم الله تعالى - أني تفكرت في أحوال أسلافنا فوجدتهم أهل بصائر ومعرفة بالدين، وأهل تواضع وخشية في قوة يقين، مع
الله تعالى،
ما منحهم
،
الله من سلامة الصدور من كل غائلة، واجتهاد في العبادة بتصديق الورع عن كل شبهة: فبذلوا في إحياء دين الله تعالى أموالهم، وأهرقوا فيه دماءهم، فأصبحوا وقد أقفرت منهم الديار، ولم يبق إلا ذكرهم في المجالس والأقطار. فآثارهم مذكورة، وسيرهم في الأسفار مشهورة، فخلف من بعدهم خلف رضوا بالدنيا عوضا عن الآخرة؛ عليها يتكالبون، وبها يتواصلون، ومن أجلها يتوالون ويتعادون. استعبدتهم الدنيا فأذلتهم. والأماني فأضلتهم، فياليتهم أكتسبوها من أبوابها، وأكلوها من أسبابها. ولكنهم أخذوها عوضا. عن الدين، وثمنا بخساً لسير أشياخنا الأولين. استحوذ على أكثرهم الشيطان وأستغواهم معروفاً
الطغيان، فأصبح كل بعاجل حظه مشغوفاً، فصار المنكر من أجل ذلك عندهم حتى ضاعت حدود الدين، وأصحت آثار السلف الصالحين، فأصبح منار الدين مندرساً وصار الهدى في أقطار الأرض منطمساً. ولقد خيلوا للخلق ألا علم إلا فتوى حكومة يستدرج بها العوام، إذ لم يروا ماسواها مصيدة للحرام وشبكة للحطام. وأما علم الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله تعالى في كتابه علما وفقها ونورا وهداية وراشدا فقد أصبح بين الخلق مطويا، وصار نسيا منسيا.
إلى نظرت في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وما دونه
السلف الصالح رحمهم الله تعالى ـ من الآثار والسير في الدفاتر والأسفار، فوجدت في
1
ذلك علما أتضح عندى برهانه وحقيقته، وأيقنت بالفوز والنجاة لمن انتحاله (?) وعمل به،
(?) انتحله: إدعاء واتصف به.