كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٦٩محمل العلوم كلها كما قال تعالى: لا افلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها .. (الحج: 46) فدلت هذه الآية على أمرين: أحدهما أن العقل علم، والثاني أن محله القلب. وفي قوله تعالى يعقلون بها تأويلان أحدهما معناه يعلمون بها، والثاني: يعتبرون بها فهذه جملة القول في العقل الغريزي. (?)
وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزى وذلك علوم تستفاد من التجارب بمجارى الأحوال، فإن من حكمته التجارب يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به، يقال إنه غمر جاهل (?). وهذا العقل ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل. لأنه من قوة ثقابة المعرفة وإصابة الفكرة، مالم يمنعه مانع من هوى ولا صاد من شهوة، لأنه يحصل ذلك بكثرة التجارب وممارسة الأمور. ولذلك حمدت العرب آراء الشيوخ فقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت الأسماعهم آثار الغير (?) وقال [بعض البافاء] التجربة مرآة العقل، والفرة ثمرة الجهل (2) وقيل في منثور الحكم: من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله. وقال بعض البلغاء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة، وينشد: (5)
ألم تر أن العقل زين لأهله وأن تمام العقل طول التجارب فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلا، وقد يكون هذا أيضا لفرط الذكاء وحسن الفطنة، وذلك جودة الحدس. وإذا امتزج بالعقل الغريزى صارت نتيجتهما هو العقل
(1) أدب الدنيا والدين من 7. (?) حكم الأمر. وأحكمه أقنه فاستحكم، ومنعه عن الفاد. والحكم محركة: الرجل المسن، والغمرة من لم يجرب الأمور.
(?) الغير: الأحداث، وغير الدهر: أحداثه
(4) في الأصل: وقال التجربة مرآة العقل، والغمرة ثمرة الجهل. والزيادة والتصحيح من كتاب أدب الدنيا والدين. والفر والغران: الشاب لا تحربة له.
(5) البيت في العقد الفريد 2::