كتاب قناطر الخيرات
الجزء ١ · صفحة ٧٣39
—
وليس لمن منح جودة القريحة وسرعة الخاطر عجز عن جواب وإن أعضل (?)، كما قيل لعلى بن أبي طالب: كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ فقال: كما يرزقهم على كثرة عددهم. وقيل له: كم بين السماء والأرض؟ فقال: دعوة مستجابة. وقيل لابن عباس: أين تذهب هذه الأرواح إذا فارقت الأجساد؟ فقال: أين تذهب نار المصابيح
عند فناء الأدهان (?)؟ وهذان الجوابان جوابا إسكات تضمنا دليل إذعان وحجة قهر
قال:
وقيل لعلى أيضا: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: يوم طراد الشمس. ومن غير كم هذا الفن وإن كان مسكتا ما حكى أن إبليس لعنه الله حين ظهر لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فقال: ألست تقول لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال: نعم فارم نفسك إذاً من ذروة هذا الجبل فإن قدرت لك السلامة تسلم. فقال له: ياملعون، إن الله يختبر عباده، وليس للعبد أن يختبر ربه. ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء الله الذين أمدهم بوحيه، وأيدهم بنصره، وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره ويعول على بديهته فاذا اجتمع هذان الوجهان فى العقل المكتبب وهو ما ينميه فرط الذكاء بجودة الحدس، وصحة القريحة بحسن البديهة مع ما ينميه الاستعمال بطرق التجارب، ومرور الزمان ما بكثرة الاختبار، فهو العقل الكامل على الاطلاق فى الرجل الفاضل بالاستحقاق، وذلك أن تنتهى قوة الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوات الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوى سمى صاحبها عاقلا من حيث أن إقدامه واحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في المواقب لا بحكم الشهوة العاجلة، فهذا أيضا من خواص الإنسان التي يتميز بها عن الحيوان.
(1) أعضل: أشكال واستعصى.
(?) الأدهان: جمع دهن من زيت أو غيره.