التواصل الثقافي بين عمان والجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٤وقد كان الأئمة الرستميون يكثرون من الحجّ ويشجعون الناس على ذلك. (1) كما كان زعماء الإباضية وعلماؤهم يحجون الجملة من الأغراض؛ منها الحرص على التعلم؛ لأن اللقاء في الحجاز هو إحدى الوسائل المهمة لتحصيل العلم. ومن الأمثلة لهذه الظاهرة ما ذكره الشماخي أن العالم المغربي أبو المنيب محمد بن يانس النفوسي، الذي كان معاصرا للإمام عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم. ذكر أن هذا العالم: " قسم عمره بين طلب العلم والزيارة والحج. فعام للحج وعام يذهب زائرا إلى تيهرت عند الإمام، وعام يقرأ العلم عند اسماعيل بن درار الغدامسي، وعام يتعبد فيه في مشاهد الجبل. " (2) إن هذه الظاهرة) الإكثار من الحج، وحرص بعض الناس على أن لا يفوتهم الحج كلّ سنة أحيانا، والتحريض على ذلك (تلفت نظر الدارس ليبحث عن الأسباب الداعية إلى ذلك. خاصة وأن المسافة بعيدة بين الحجاز والمغرب. وأن
الحاج يلاقي صعوبات جمة في القيام بهذه العبادة أداء، فضلا عن تكريرها كل عام. يبدو لنا أن ذلك نابع من حرص المؤمن على أداء واجبه الديني، ثم الإكثار من النوافل تقربا إلى الله تعالى؛ إذ أن المؤمن يجد نفسه أكثر استعدادا لعبادة ربه ومناجاته حينما يكون في الأماكن المقدسة. وهناك خصوصية ينفرد بها الإباضية وهي رغبتهم في توطيد العلاقة فيما بينهم بواسطة الاتصالات واللقاءات لتبادل الأخبار والاستشارات وتلقي العلم من بعضهم والتفقه في الدين؛ خاصة وأن الإباضيّة مرّوا بظروف عصيبة: حوربوا في أفكارهم وتاريخهم، وحرموا من نشر مذهبهم … فكانت هذه الظروف من الأسباب الكبيرة التي جعلتهم أكثر إصرارا على اللقاء والتزاور وتوطيد العلاقة .. وكان موسم الحج أحسن فرصة لتحقيق آمالهم؛ إذ هو مؤتمر عالمي يلتقي فيه المسلمون، الذين يقدمون من كل أنحاء العالم؛
(1) الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص: 90 159.
(2) سير الشماخي، ج 1، ص: 148.