عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره، و" .. أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك .. (1)، وقوله كما حكى عن رب العزة: "خلقت هؤلاء

للجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون وخلقت هؤلاء للنار وبأعمال أهل النار يعملون". وهذان الحديثان يقرران شمول العلم الإلهي ويؤكدان تطابق العلم الإلهي السابق مع ما يقع

من أفعال العباد، وليس فيه أي نوع من تقرير الجبرية، فليس هناك تعارض بين تقدير الله الأعمال العباد في الأزل وحرية الإنسان؛ لأن الحديث يؤكد على صفة العلم الإلهي بأنه علم شمولي كلي يعلم الكليات والجزئيات. أما بالنسبة إلى الإنسان فهو لا يعلم ما قدر له في الحياة، ومن ثم فصفحة الحياة بيضاء صافية، وعليه أن يختار أيَّ الدروب يسير فيها بهدى القرآن والرسول وإرشاد من عقله وتقرير من إرادته الحرة وفعله اليومي المستمر.

موقف الخلفاء الراشدين

إن التراث العقائدي الذي نقله المؤرخون عن الخلفاء الراشدين يقرر ميلهم الواضح إلى تقرير حرية الإرادة دون الخوض في جدل المتكلمين، وحجج المؤيدين وتشكيك المشككين، فهم كانوا أبعد من ذلك، فقد أخذوا القضية من نبعها الصافي، ومصدرها النوراني، والقضية أبسط ما تكون فالله إله الكون خلق الإنسان، وكلفه بمجموعة أوامر ونهاه عن جملة من المنكرات، وخلق له عقلا مفكرا، وضميرا حيًّا، وقلبا نقيا ونفسا قابلة للفجور والتقوى، وإرادة قوية قادرة على الفعل وعدم الفعل، ومع هذه الملكات الممنوحة للإنسان لم يتركه الله هكذا، ولكن عاونه معاونة فعالة بأن أرسل إليه الرسل، ووعده بالجنة وتوعده بالعذاب وبلغه بأن أمامه طريق الحياة الواسع، وعليه أن يختار ما يشاء ويقرر ما يريد وعليه أن يحدد مصيره، ومستقبله، والله معه حيثما

كان وأينما حل.

من هذا المنطلق نجد حركة أبي بكر وتصرفاته تعتمد على هذه المفاهيم، فهو حينما أفتى في المرأة المفوضة قال: إن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني. فنسب الخير إلى المشيئة الإلهية، ونسب الشر إلى نفسه أي إلى إرادته وفي هذا الطريق يسير عمر بن الخطاب، فهو يؤمن إيمان الفطرة النقية التي تحس إحساسا جياشا بأن الفعل الإنساني خيرا أم شرا صادر عن العبد، وينسب إليه، فهو مصدر الأفعال والأقوال، وكل إنسان يشعر في أعماق ذاته أنه مسؤول عن

(1) الجامع الصحيح حديث رقم: 72