عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ٩٩

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

99

بالإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر، ويستحيل في العقل بأن يكلفه بأفعال لا يقدر عليها، أو لا يمكنه القيام بها، والاقتدار عليها).

ويلخص المسعودي أصل العدل عند المعتزلة بقوله: "إن الله لا يحب الفساد، ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أمروا به ونهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد، ولم ينة إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقونه ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه، وأن أحدًا لا يقدر على قبض ولا بسط إلا بقدرة الله التي أعطاهم إياها وهو المالك لها دونهم يفنيها إذا شاء ويبقيها إذا شاء، ولو شاء لجبر الخلق على طاعته، ومنعهم اضطراريا من معصيته ولكان على ذلك قادرًا غير أنه لا يفعل إذا كان في ذلك رفع للمحنة وإزالة البلوى .... (2).

الحقيقة أن ما توصل إليه المعتزلة لم يكن بدءًا من القول، ولا تجديفًا في الدين، ولا انحرافا عن تعاليم القرآن بل كان تأكيدًا لمقولات الدين وقد استمدوا أفكارهم من المصادر التالية: 1 - القرآن الكريم

كان القرآن الكريم مُرشدًا حيًّا ودليلا هاديًا ومعاونًا قويًّا للمعتزلة، فقد اعتمدوا على آياته العديدة لكي يستنبطوا منها حرية الإرادة الإنسانية، وأن ذلك لازم وضروري حتى يستقيم في العقل قضية التكليف الإنساني فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29)، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنا عَلَيْكُم بِوَكيل (يونس: (108)، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (المدثر: 38)، بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نفسه بَصِيرَةً، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة: (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلَنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (فصلت: 46).

2 - أحاديث الرسول وتقريراته

ومجملها ينسب الفعل إلى البشر أو إلى من صدر منه الفعل، ويقرر خيرية الله وتعاليه عن فعل الشر، وأن الإرادة الإلهية إرادة خيرة، وهذا التقرير لا يتعارض مع إيمان المسلم بالقضاء والقدر خيره وشره؛ لأن هذا جزء من المنظومة الاعتقادية التي على المسلم أن يقر بها: أن تؤمن بالله

(1) الملل والنحل، 42/ 1 47

(2) مروج الذهب، 235/ 3