عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٠١

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

أعماله، ولذلك حينما أتوا إليه بسارق وسأله عمر لماذا سرق أي ما الدافع الذي دفعك إلى هذا: العوز والفاقة أم الطمع والجشع؟ فرد السارق: قضى الله، فوجد نفسه أنه أمام إنان مغالط، أيرتكب الشر ويوغل فيه ثم يتهم الله، لذلك لم يتوان عمر أن قطع يده، وهذا هو حد السرقة، ثم ضربه أسواطا؛ وذلك لأنه كذب على الله وافترى عليه (1).

ولما قال محاصر و عثمان له حين رموه الله، يرميك رد عليهم ساخرا: كذبتم، لو رماني (أي: لو رماني الله ما أخطأني. وهذا يقتضي إنكاره للجبر، وتقريره حرية الإرادة الإنسانية. أما رابع الخلفاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقد أفاض في هذه القضية وأبان عن جوهرها، وعلم شيعته ذلك فقال: إن الله -تعالى- أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، ولم يكلف جبرا، ولا بعث الأنبياء عبنا ذلك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار) (ص: (27) (2). وقد ناظر ابن عباس المجبرة وأبان لهم الحجة ودحض وجهة نظرهم فقال لهم: أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضل المتقون؟! وتنهون الناس عن المعاصي وبكم ظهر العاصون؟ هل منكم إلا مفتر على الله يحمل إجرامه عليه وينسبها علانية إليه؟! " (3).

نستنتج مما سبق أن المعتزلة حينما قرروا أن الله عدل حكيم لا يفعل القبيح ولا بريده، كلف تعريضا للثواب ومكن من الفعل، وأزاح العلة ولابد من الجزاء. كانوا ينهلون أيضاً من هذا المنهل الصافي، ويقررون ما قرره الدين، ويتبعون خُطَى الخلفاء الراشدين، علاوة على أنهم يضعون معطيات القرآن وتقريرات السنة النبوية نصب أعينهم، ويعكفون على دراستها واستنباط معانيها والانحياز إليها.

ثالثًا: رأي عمرو بن عبيد في حرية الإرادة:

كافة المؤرخين يؤكدون أن واصلا وعمراً هما المؤسسان لأصل العدل الذي شرحناه سابقا، وما ينسب إلى عمرو من أقوال وتقريرات أو شروحات يعد قليلا، وليس بين أيدينا إلا شذرات متناثرة نستطيع أن نصنفها كبراهين تؤيد وجهة نظر صاحبنا فيما دعا إليه من حرية

الإرادة الإنسانية

(1) طبقات المعتزلة ص 11.

(2) المصدر السابق ص 10.

(3) المصدر السابق ص 12.