عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٠٢-
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
1 - يذكر الجاحظ أن عمرًا كان يُذكِّرُ الناس دائمًا بوصية عبدالملك بن مروان (26 - 86 ه) التي كتبها إلى أحد ولاته ويوصيهم بحفظها، ويجاهد في نشرها، وتعميمها والاهتداء بمضمونها، وكان أولها: "إن الله عز وجل جعل لعباده عقولا، عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، والناس بين محسن بنعمة الله -عز وجل- عليه والمسيء بخذلان الله إياه، والله النعمة على المحسن والحجة على المسيء. فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غسيره، أن يضع الدنيا بحيث وضعها فيعطى ما عليه منها ولا يتكثر مما ليس له فيها فإن الدنيا دار فناء لا سبيل إلى بقائها ولابد من لقاء الله عز وجل - ((1)
ونستطيع أن نتوقف أمام هذه الوصية لتبلور أهم الأفكار الواردة فيها:
- إن الله قد خلق للبشر أداة هي العقل للتمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح والصدق والكذب، والفضيلة والرذيلة.
- إن هذا العقل هو الميزان الصادق والمعيار العادل والمرشد الأمين فيه نستطيع أن نستوعب الأفكار، ونفهم القضايا، وتمحص الأفعال، ونحدد خصائصها ونسبر غورها وطبائعها، فمن أقدم على إتيان المعصية فهو معاقب بجريرته وذنبه مجازي على أعماله ومن أقدم على فعل الخيرات وتحقيق الطاعات وتنفيذ الأعمال الصالحات فهو مُشاب على طاعته، مُكَافو على استجابته. - تعد النفس الإنسانية ميدانا فسيحا للصراع بين الخير والشر، وفعل الطاعات والاستجابة للمنكرات، ففي باطن الإنسان تدور حرب عنيفة بين دواعي الخير ونوازع الشر، ومن الناس من يعترف بالعطاء الإلهي فيشكر الله على نعمه، فهو محسن إلى نفسه، ومنهم من يستجيب للنفس الأمارة بالسوء، ويطيع أهواءه ورغبات نفسه، فتنتصر شوائب المادة وقوة الجاذبية الأرضية فيسقط في الطين، وهذا نوع لاشك مسيء لنفسه ولبارته. أخيرا، على الإنسان أن يدرك أن الدنيا دار فناء وبلاء واختبار، وأنها طريق إلى الآخرة، وعليه
أن يُحكم عقله ويعلم علم اليقين أنه سيلاقي ربه إن آجلا أو عاجلا وهناك دار القرار. في حوار دار بين عمرو بن عبيد وأبي عمرو بن العلاء (ت: 154 هـ) - عالم العربية والبلاغة والشعر - لمناقشة قضية حرية الإرادة والاستطاعة الكامنة داخل الإنسان التي تعينه على الفعل. يشرح عمرو بن عبيد في مُحَاجَتِه لزميله أن الرؤية القرآنية توضح للمسلمين بأن إقدام الإنسان
(1) البيان والتبيين. 388/ 1. وأيضا البصائر. 206/ 2.