عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٠٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
على فعل الخير والشر هو فيما يقدر عليه ويقوم به، وهو مدرك لطبيعته بعد أن يفكر مليا ويتدبر، ثم يقرر فيقدم على إخراج الأمر من حالة القوة إلى حالة الفعل. وإليك الحوار:
جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: هل تعرف في كلام العرب أن أحدًا فرط فيما لا يقدر عليه؟ قال: لا.
قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللهِ) (الزمر: 56)، أَفَرَّطَ
فيما قدر عليه، أو فيما لم يقدر عليه؟
فقال أبو عمرو بن العلاء لأصحابه: قد أبان لكم أبو عثمان القدر بحرفين (1).
والمدقق في الحوار يجد أن عمرو بن عبيد قد نجح في استدلاله أيما نجاح، وأن مقدماته التي استدل منها نتائجه كانت صحيحة، فالآية واضحة وصريحة في تحذير العباد الذين أسرفوا على أنفسهم وتنكبوا الطريق المستقيم بفعلهم الخاطئ ومع هذا يبشرهم الله برحمته الواسعة، ويطلب منهم عدم اليأس والإنابة إلى الله والعودة إلى الحق قبل فوات الأوان وحلول العذاب بهم بغتة وساعتها يندم الإنسان أشد الندم على ما اقترف من ذنوب في حق الله.
والنتيجة التي يريد أن يصل إليها ويؤكدها في ذهن محاوره، أن الإنسان هو المصيب والمخطئ؛ لأنه هو الفاعل الحقيقي، وهو هنا قد أقدم على الخطا في حق الله، وعليه أن يتحمل تبعة ذلك، وقد أقر أبو عمرو بن العلاء بأن هذا شرح بين المفهوم القدر.
3 - وفي حوار عمرو بن عبيد وأحد العلماء في قضية القدر:
قال عمرو: في كتاب الله ما يزيل الشك عن قلوب المؤمنين في القضاء والقدر وهو قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الحجر: 92 - 93)، ولم يقل لنسألتهم عما قضيت عليهم، أو قدرته فيهم، أو أردته منهم أو شئته لهم، ولكنه خاطب البشر بالاستفسار عما قدمت أيديهم من أعمال، فالسؤال موجه هنا عن طبيعة الأعمال التي صدرت منهم ونسبت إليهم وليس بعد هذا الأمر إلا الإقرار بالعدل والسكوت عن الجور الذي لا يجوز على الله تعالى ((2). ويبدو أن الإشكالية التي كانت قائمة آنذاك في عقول بعض المسلمين ولم تزل هي كيف نوفق بين العلم الإلهي ونسبة الفعل إلى الإنسان؟
(1) البصائر والذخائر، 154/ 6
(2) أمالي المرتضى، 123/ 1