عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٠٤عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ومن هذه الزاوية يوضح عمرو ألا تعارض بين ما كتبه الله في اللوح المحفوظ؛ لأن ذلك متعلق بعموم العلم الإلهي وبصفات الكمال، ومن صفاته تعالى علم الكليات والجزئيات، والغائبات والحاضرات، وما دخل الكون ولم يخرج منه، وما دخل الكون وفني فيه.
أقول: لا تعارض بين العلم الإلهي السابق والفعل الإنساني، فالعلم الإلهي محايد بالنسبة إلى الفعل الإنساني ولا يؤثر في مجريات الحوادث وهو ليس بشيطان ولا يضر ولا ينفع" على حد تعبير عمرو بن عبيد)، حتى يستقيم التكليف الإلهي والحساب بالنسبة إلى الإنسان، فالضرر والنفع يأتي بعد أن يختار الإنسان طريق الخير فيحالفه التوفيق، أو يختار طريق الشر فينقطع عنه المدد الإلهي فيصاب بالخيبة وكافة ضروب الخسران. هذا العلم خاص بالله، والإنسان لا يعلم ماذا كتب له، ولكنه مدعو للتفكر والتأمل والتدبر والاختيار ثم القيام بالفعل ونقله إلى دنيا الناس، ومن ثم فهو مسؤول عما بدر منه ويتحمل جزاء عمله إن كان خيرًا أو شرا. وهذا الموقف يذكرنا بإجابة مقنعة لعبد الله بن عمر عن سؤال وُجّه إليه، بأن قوما يزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس، ثم يقولون: كان في علم الله فلم نجد بُدا منه. فغضب من هذا التفكير الساذج والأسلوب المعوج ثم قال: سبحان الله العظيم كان في علم الله أنهم يفعلونها، لكن لم يحملهم علم الله على فعلها (2).
خلاصة القول أن عمرو بن عبيد في تقريراته وحواراته وجهوده العلمية المكثفة يريد أن يؤكد تأكيدا لا لبس فيه، وحقيقة يقينية لا يعتريها الشك، وهي أن الله عادل حكيم، لا يظلم الناس مثقال ذرة ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (آل عمران: 186) "، وقد كلف عباده بمسؤوليات محددة، وأوامر ونواه ووهبهم هذه الملكات المتعددة من الفهم والتحليل والتدبر والتذكر والتفقه والإرادة والاستطاعة أي هذه القوة الذاتية الكامنة داخل الإنسان كون النار في الحجر الصوان، ثم خلى بينهم وبين أنفسهم التي هي أمارة بالسوء نزاعة إلى إشباع شهواتها، لكنها أيضاً مطمئنة باحثة عن القيم متمسكة بالسلوك الأخلاقي، وبين هذا وذاك، هناك الضمير المتمثل في
(1) تاريخ بغداد 172/ 12
(2) ابن المرتضى طبقات المعتزلة، ص 112.
والآية جاءت أيضا في سورة (الأنفال: 51) وبصيغ أخرى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (الحج:10) مَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (ق: 29).