عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٠٨1
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ورب أمر قدر وصوله إليك بعد طلب فلا يصل إليك إلا بالطلب، والطلب أيضا من القدر، ولا فرق أبدًا بين الأمر المطلوب وبين الطلب في أنهما مقدوران فمن ههنا قلنا إنهما لا ينتفيان، وكذلك التوكل مع الكسب؛ لأن التوكل محله القلب والكسب محله الجوارح المطلوب منا أن نغرس في عقل المسلم وقلبه وضميره أنه حر الإرادة، وأن الله كلفه
الأمانة خير
ما يطيق وما يستطيع أن ينهض به ويحققه في عالم الواقع، وأسند إليه مهام عديدة، منها إعمار الأرض وصناعة المستقبل والرقي بالحياة، وأناط به رسالة أخلاقية دينية، وعليه أن يتحمل هذه التبعة فيمضي في طريقه لكي يحقق المطلوب ويصل إلى مناله، ويؤدي أداء. فعليه أن يشمر عن ساعديه، ويأخذ بالأسباب ويطرح التواني، جانبا، ويحذر من التواكل والخنوع، فإن الله أمر بالتوكل في جميع الأحوال أي التمكن من الأسباب، وأخذ الحيطة والحذر، فالتوكل على الله يعني الأخذ بالأسباب، أي بذل الوسع واستفراغ الجهد واستنفاذ الطاقة، والثقة بالله في كل الأحوال، سواء تحقق الفعل أم لم يتحقق.
كذلك ننبه أن التوكل على الله يكون قبل الفعل وأثناء الفعل وبعد الفعل، أي أنه أمر ملازم لحركة الإنسان في الحياة، سواء أخذ بالأسباب أم لم يأخذ فعل أم لم يفعل، تصرف أم لم يتصرف، ونعني بذلك استحضار عظمة الله في قلب الإنسان المسلم والثقة فيه ثقة مطلقة لا تمزها الأعاصير أو وقوع الزلازل في حياة الإنسان، إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا) (الكهف: (30) إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: (90)، إن اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل: 128).
فلنستمع للجاحظ وهو ينصح المسلم ويخاطبه بأسلوبه العقلاني المقنع، وحجته القوية، و لغته السهلة الممتنعة: "احذر" كل الحذر أن يخدعك الشيطان عن الحزم فيمثل لك التواني في صورة التوكل، ويسلبك الحذر، ويورثك الهوينى بإحالتك على الأقدار (2).
ونؤكد ثانية وثالثة أنه لا يوجد تناقض بين التوكل على الله، والسعي الدؤوب لتحقيق
المطلوب، وبذل الجهد للوصول إلى ما يأمله الإنسان فمن" ظن أن الطلب والاكتساب يناقض التوكل، فقعد في بيته وأغلق بابه متكلا على الله -تعالى- في زعمه كان عن العقل خارجا وفي تيه
(1) سراج الملوك، 707/ 2
(2) رسالة المعاد، ص 111، (رسائل الجاحظ، المجلد الأول، تح: هارون، دار الجيل بيروت 1991 م).