عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الجهل والجا، ويقال له: قبحت يا هذا إذا جعت وحضر الطعام فهو إلى الطعام أحوج منه إلى المعرفة، وينبغي لأهله أن يداووه، ألا ترى أن الله -تعالى- قال لمريم: وَهُزِّي إِلَيْكَ بجذع النَّحْلَة (مريم) (25) فهلا أَمَرَهَا بالسكون ثم حمل الرطب إلى فيها. وهكذا القول فيمن له دابة أو بستان يُؤْمَرُ بسقي البستان وحفره وإصلاح شأنه، ويُؤمَرُ بأن يعلف الدابة ويسقيها (1).

إن روح الخنوع والتخاذل وموت الهمة والتسليم المطلق لمجريات الأمور أن تير كيفما تسير، والاعتقاد اعتقادًا جازمًا بفكرة الجبر وأن الإنسان ليس له مشاركة إيجابية في حياته اليومية، وأنه مسير بقوة غيبية مجهولة لا قبل له بها، وأنه بإيجاز ذرة في مهب المقادير، ولا يملك إلا الرضوخ والتسليم والاستسلام أقول إن هذه الروح الانهزامية هي التي سيطرت على عقل المسلم، وساعد على ذلك سوء فهم بعض علماء المسلمين لفكرة القضاء والقدر، أضف إلى ذلك قيام سلطة السياسة ممثلة في الدولة الأموية بتبني فكرة القضاء والقدر لتثبيت سلطانها وإيهام المسلمين بأن هذا القتل والتدمير والسلب والنهب إنما يجري بقضاء من الله. ولعل نص الحوار الذي نقله ابن قتيبة (276 هـ) بين الحسن وبعض علماء المسلمين يوضح هذه الصورة المعتمة، فيحكي أن معبدا الجهني وعطاء بن يسار كانا يأتيان الحسن ويسألانه: يا أبا سعيد إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويفعلون ويفعلون ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله فقال: كذب أعداء الله ثم سار العباسيون على هذا الدرب نفسه، وبالمنهج ذاته، فأسسوا مملكة شبيهة بمملكة الأمويين، ولم يغيروا من الأمور الجوهرية في الدولة أكثر من استبدال العنصر الفارسي بالعنصر العربي، وإعطاء الموالي قدرًا من الحرية، مع إنصاف العلويين على حسب مزاج بعض الخلفاء، ثم انقلبوا عليهم في مجموعهم، فشردوا بهم فسجنوهم وقتلوهم. وأصبحت الدولة العباسية دولة دنيوية واضحة المعالم تتستر في عباءة الرسول وأحكام الدين، وفي الواقع تجاهد طويلا على الفوز بالدنيا والتمتع بملذاتها قدر الطاقة، وقد هادن العباسيون المعتزلة ماداموا لا يثيرون القلاقل في وجه الدولة، ثم انحاز بعض الخلفاء إلى صف المعتزلة وساعدوهم على نشر فكرهم وبمجيء المتوكل تقع المحنة ويوجه ضربة قاصمة للفكر الاعتزالي ويعمل على تكريس الفكر السكوني فكر النص والرواية والتقليد، ثم انهارت الدولة العباسية وظهرت الحركات الإسلامية ومعظم قوادها لم يكونوا عربا فضلا عن أن فهمهم لمبادئ الإسلام

(1) سراج الملوك، 709/ 2