عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١١١عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
11
ومن جهة أخرى لا يجوز أن يكون الله خالقا لأفعال العباد لأن منها ما هو ظلم وجور، فلو كان الله خالقا لها لوجب أن يكون ظالماً جائراً، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، ويدلل على رأيه بأن آيات القرآن تشهد على نسبة الفعل للإنسان إذ يتضمن القرآن المدح والذم والوعد والوعيد والثواب والعقاب ولو كانت هذه التصرفات من جهة الله -تعالى- لكان لا يحسن المدح والذم ولا الثواب والعقاب (1).
وخلاصة القول أن الله -تعالى- لم يخلق أفعال العباد بل الإنسان خالق لأفعاله. ب لم يتوان فلاسفة الإسلام من دخول الساحة الفكرية لكي يُدلوا بدلوهم، ولم يألوا جهدا في تبصرة المسلمين بفكرة الحرية وفي الوقت نفسه محاربة القائلين بالجبر وتسفيه، آرائهم، وسوف نأخذ ابن رشد (595 هـ) فيلسوف قرطبة أنموذجا لذلك. يرى ابن رشد أن قضية الحرية الإنسانية من أعوص المسائل الشرعية، وقد وقف موقفا وسطا بين جبرية المعتزلة وكسب الأشعرية. فقد نعى على المعتزلة تطرفهم الشديد وقولهم بأن الإنسان خالق لأفعاله، كأنه لا يوجد في الكون إرادة أخرى أو قوانين تسير حركته، فضلا عن المشيئة الإلهية المطلقة السارية في جنبات الكون
علويه وسفليه.
وكذلك أخذ على الأشعرية فكرة الكسب التي تنفي قدرة الإنسان على الفعل ولا تترك له فرصة العمل وحقيقة الاختيار، فهي حرية صورية غير فعالة، إذ ليس للإنسان إلا كسب الفعل الذي خلقه الله في نفسه وهذا لا معنى له فإذا كان الاكتساب والمكتسب مخلوقين الله، فالعبد ولابد مجبور على اكتسابه (2).
ولما كان ابن رشد يؤمن بفكرة السببية في الكون أي وجود تلازم بين السبب والمسبب لذلك فمن السفسطة إنكار هذه الأسباب وهذا الإقرار بالسببية داخل الوجود يخدم مذهبه في حرية الإرادة ومن هذا المنطلق يرى ابن رشد أن الفعل الإنساني يستند إلى سببين: الأسباب الداخلية التي تتعلق بالفرد وهي خاصة به ولازمة له والأسباب الخارجية التي تخضع لها جميعا، وهي بمثابة القوانين التي تسري داخل هذا الكون، سواء فيما يتصل بقوانين المجتمع أو القوانين التي الله داخل الطبيعة، فهي تجري على نظام محدود وترتيب منضود"، أما الفعل الإنساني فهو
وضعها
(1) شرح الأصول الخمسة، ص 334، 345، 360.
(2) مناهج الأدلة، ص 121، 360