عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١١٢عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
معلق بكلا السببين، ولا يتحول من حالة القوة والكمون إلى حالة الفعل والظهور إلا إذا تم التوافق بين الأسباب الذاتية والأسباب الموضوعية.
وإذا لم يتحقق هذا التوافق فلا يتم الفعل، بمعنى قد يأخذ الإنسان بالأسباب وينوي أن يسافر إلى القاهرة مثلا لمقابلة صديق له، ثم يقوم مبكرًا ويحزم حقائبه ويركب القطار ويسافر للمقابلة في الموعد المتفق عليه ولكنه لا يجد صديقه في انتظاره الذي سافر مضطرًا إلى جهة أخرى، أو قد يتعطل القطار في الطريق، أو يقع له حادث المهم أنه أخذ بالأسباب المتعلقة به (الداخلية) المتاحة له، ولكن الأسباب الخارجية لم تتوافق مع إرادته فلم يتم الفعل في الواقع، ويخرج إلى حيز الوجود. يقول ابن رشد: "إن الله تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد، لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج وزوال العوائق عنها كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا، وإذا كان ذلك
كذلك فالأفعال المنسوبة إلينا أيضًا يتم فعلها بإرادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها (1). إن ابن رشد يريد أن ينبهنا أننا بصدد اسباب لا نملكها ولا تقع في مقدورنا وعلينا أن نعترف بذلك فالإنسان يملك "بعض" الأسباب وليس "كل" الأسباب، ومع هذا واعترافنا بذلك فهذه "الأسباب الخارجية" لا تقلل أبدًا من حرية الإرادة ولا تنفي مسؤولية الإنسان بحال من الأحوال ولا تثبط عزيمته، أو تحول بينه وبين أخذ الحيطة والحذر، وإعداد كل ما مكنته لتحقيق ما يصبو إليه، وإنما القصد من ذلك أن يعلم الإنسان أنه لا يعيش بمفرده داخل هذا الكون، فهناك حرية الآخرين، وهناك قوانين اجتماعية وطبيعية تنظم حركة الحياة، وعلى الإنسان أن ينطلق ليحقق وجوده داخل هذه الحياة.
ج- ولنترك الفلاسفة، ونعود ثانية إلى علماء الكلام، ولكن هذه المرة سنحاول أن نتعرف على رأي عالمين من علماء السلف هما ابن تيمية وابن القيم ونبدأ بالأستاذ قبل التلميذ. يقرر ابن تيمية بداية أن الله خالق كل شيء علويه وسفليه كبيره وصغيره، ولا يمكن أن يقع شيء في هذا العالم بغير إرادة الله حتى الشرور والمعاصي تقع بإرادة الله وإن كان لا يحبها ولا يرضاها وصفات الخلق والجمال والجلال صفات تتعلق بقيومية واجب الوجود، بيد أن هذا لا
(1) مناهج الأدلة، ص 225 - 226. د. عاطف العراقي: الترعة العقلية في فلسفة ابن رشد ص 255، دار المعارف بمصر
القاهرة، 1979 م).