عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١١٣عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
يقلل من نشاط الإنسان أو فاعليته فهو قادر فاعل مختار إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهو فاعل على الحقيقة وليس على سبيل المجاز، إذ وهبه الله قدرة أي استطاعة وهي مناط التكليف، والأمر والنهي، وهو لا يكلف العبد ما لا يطيقه، وينفي ابن تيمية قول من يقول: إن العباد مجبرون ويخلص في النهاية إلى تقرير حرية الإرادة الإنسانية وأن الإنسان يتحمل مسؤولية عمله ويحاسب عليه (1).
أما التلميذ فقد ترسم خطى أستاذه واستهدى بأدلته واغترف من ينابيعه نفسها. فقد ميز ابن القيم بين نطاقين: نطاق القدرة الإلهية المطلقة خالقة كل شيء، وخالقة فعل العبد، والقدرة الإنسانية الحرة التي تفعل ولا تفعل وإن شاء الإنسان أقدم على فعل الخير أو امتنع عنه، وكذلك إن شاء أطاع أو عصى ويخلص ابن القيم إلى أن الله بعدله وحكمته أعطى العبد قدرة وإرادة تمكنه من جلب المنفعة له، ودفع المضرة عنه، وعرفه طريق الخير والشر عن طريق إرسال الرسل له وهداية البشر عامة وما بثه في فطرتهم النقية من ميل إلى الخير وتجافيهم عن الشر، وعلى الإنسان أن يختار ويفعل ما في مقدوره ومن ثم فهو مثاب على أفعاله الخيرة، ومعاقب على أفعاله الشريرة".
على الرغم من هذه الجهود العظيمة التي قام بها علماء المسلمين لتنقية الشوائب الجبرية، وإنارة الطريق من خلال هذه الإبداعات والمشاركات إلا أن فكرة الجبر ظلت مسيطرة على العقل المسلم، ونريد أن نتوقف أمام هذه الظاهرة، لماذا يركن العقل المسلم إلى الجبر؟
ونجتهد في الإجابة فنقول:
1 - إن ميل الإنسان إلى تقرير الجبر وقبول هذه الفكرة أمر مريح الخاطر الإنسان وقلبه، ويهدئ من روعه دائما ويخفف من الصراعات الداخلية التي تنشب في أعماقه حينما يريد أن يحاسب نفسه أو يقيم عمله، وفضلا عن ذلك فإنه يجد مبررا جاهزا لتبرير فشله في كثير من الأمور، فهو يجد سببا وجيها يسميه المكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا المكتوب لا فكاك منه ولا هرب فيعلق عليه كافة أنواع الإخفاقات التي تلم بحياته، ويسند إليها أغلب العثرات التي تواجهه على طريق الحياة.
(1) مختصر منهاج السنة، ص 126.
(2) محمد الزيني: ابن القيم وآراؤه الكلامية، ص 208