عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١١٤

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

ب إن الإنسان في كثير من الأحيان وفي العديد من المواقف يأخذ بالأسباب، ويضع الخطط وينسق الأمور، ويتخذ كافة التدابير والاحتياطات المعلقة بالقضية التي يريد تحقيقها، غير أنه بعد كل هذه الوسائل، والحرص والحذر يخفق في تحقيق الأهداف التي يصبو إليها، ويعجز عن التحرك إلى الأمام، فيدرك أن هناك قوى أخرى مجهولة داخل هذا الكون تشاركه في فعله، وأنه لا يقوم بذاته دون سند أو معين.

ج- إن تراث الإنسانية على مر تاريخها حافل بهذا الجانب أعني الإيمان بفكرة الجبرية، فهذا أمر معروف في الديانات السابقة، وفي الفلسفة اليونانية، لاسيما عند الرواقيين وعند العرب قبل الإسلام. وقد حاورهم القرآن وناقشهم ورد عليهم وسفّه وجهة نظرهم، ولاشك أن هذا التراث العريض له فاعلية في نفوس العلماء وفي عقولهم وقد تسرب إلينا منه الكثير، حتى أصبح جزءا من التراث الإسلامي، وهذا التراث يعد من مكوناتنا النفسية، ومادة خام لتصوراتنا العقلية، بل هو جزء من تفكيرنا وعقيدتنا.

د إذا نظرنا إلى القضية من زاوية الحرية فسوف نلحظ أن تقرير الحرية والإيمان بها يفرض على الإنسان ضريبة باهضة، ومسؤولية جسيمة، وتكاليف عظيمة، فهو مطالب بالجد والاجتهاد والتفكير والتحليل، وشحذ الهمة، ويقظة النفس، وإعمال العقل.

وبالجملة تحتاج قضية الحرية من الإنسان مجهودات متواصلة وأعمالا دائبة، وسعيا حثيثا بعزم يفل الحديد، وإرادة لا تلين أمام الشدائد .... وهذه عزائم لا تتوافر في "جميع" الناس والطبيعة البشرية تميل إلى الراحة والهدوء وتحب الدعة والكسل وتركن إلى الانقياد إلى النفس الأمارة بالسوء، هذا علاوة على أن الضعف البشري أمر ملازم للفطرة الإنسانية، ومن ثم ينبذ الإنسان شقاء الحرية"، ويرتمي في أحضان الجبرية السعيدة.

-

ه ظلت فكرة الجبر هي السائدة والمسيطرة، سواء على عقول العلماء أم عقول العوام و اصبحت سمة من سمات الفكر العربي الإسلامي، وقضية مُسَلَّم بها عند هؤلاء المسلمين الأتقياء. وهذا ما لفت انتباه كثير من المستشرقين فاعتقدوا أن الإسلام دين الجبرية، وراحوا يذيعون هذه المقالة في كتبهم ودورياتهم، وخلطوا بين عقائد الإسلام كما جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم نقية صافية، وهي في جوهرها قوة دافعة للأمام، ودعوة كريمة للحرية والإبداع والخلق والابتكار في الحضارة وواقع المسلمين المتخلف.