عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١١٥عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ومع بداية عصر النهضة يبدأ الأفغاني مع صفوة من المفكرين المستنيرين بإزالة غشاوة الجبر وضلال التفسير الخاطئ، وبذل جهود مكثفة في تحرير إرادة الإنسان، لاسيما فيما يتعلق بالاستبداد السياسي والاستبداد الاستعماري على أن الذي قام بالمجهود الكبير والدور البارز هو الشيخ محمد عبده، إذ عكف على تفسير القرآن لاستنباط الآيات التي تؤكد فكرة الحرية الإنسانية، وأصبح يعمل على نشرها بكافة الوسائل ومختلف الطرق، وبذل جهودا مشكورة لاستنارة عقول المسلمين وتحرير إرادتهم من هذا القيد الثقيل.
أضف إلى ذلك ردوده على المسيوها نوتو الذي اتهم الإسلام بأنه دين الجبرية، وقد تجرد له الشيخ محمد عبده، وأفرد لذلك مجموعة مقالات، وبين بالدليل والحجة بأن الإسلام هو دين الحرية والعمل، وقد أنيط بالإنسان أمانة تعمير الكون. ومعيار النجاح والفشل بالنسبة إليه مرهون باستخدام الملكات التي وهبها له الله، وبما يقدمه من أعمال وخدمات لمجتمعه ووطنه، ونبه محمد عبده على الفرق الشاسع بين المعتقد الإسلامي وحال المسلمين).
ثم شرح باستفاضة فكرة القضاء والقدر، بما يضمن المحافظة على الحرية الإنسانية فحوادث الكون بأسره مستندة إلى واجب الوجود واحد يصرفه على مقتضى علمه وإرادته (2). ويؤكد محمد عبده أن العلم الإلهي الشامل لا يرد العباد عن أعمالهم، ولا يثنيهم عن عزمهم، ولا يؤثر في قرارهم أو في اختيارهم ولا يرغمهم على أي موقف من المواقف، فهو علم انكشاف وليس علم إيجاد لأفعالهم، والعباد مختارون لأفعالهم. "لا شيء من علم الله السابق بمانع للإنسان من أن يعمل وأن يختار بمقتضى ذلك (3).
خلاصة القول: ينتهي محمد عبده إلى تقرير حرية الإرادة الإنسانية، وأن كل ما يصدر عن الإنسان من خير يثاب عليه ومن شر يعاقب عليه، وجميع أحوال العبد صادرة عن إرادته واختياره، ولا شيء في العلم الإلهي بسالب لهذه الحرية وكون ما في العلم يقع لا محالة إنما جاء من
هي التي نشرت بعد ذلك في كتابه: الإسلام والنصرانية.
(1) محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدنية، ص 14، 25 (تح عاطف العراقي، مكتبة الأسرة، القاهرة، 1998 م).
(2) رسالة التوحيد، ص 61.
(3) رسالة التوحيد، ص 61 - 71.