عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١١٧عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
17
يوظف آيات القرآن لتغيير واقع المسلمين المزري وحاضرهم المهزوم، واستنباط القوانين التي تخدم الحياة اليومية كما يعيشها البشر، ومحاولة صياغة منهج جديد أو تصور شامل يعبر عن روح القرآن، ورؤيته للدنيا والآخرة، لذلك لا يني يستدل من آيات القرآن ما يخدم الفكر العربي الإسلامي، ويعمل على نهوضه من كبوته.
يشرح سيد قطب وهو بصدد قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أَوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف (179) حقيقة العلاقة بين العلم الإلهي الأزلي والفعل الإنساني وهي القضية نفسها التي شغلت عقول علماء المسلمين طوال فترة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وبين أن هذا العلم من صفات الله، ولا يؤثر في مجريات الأحداث، والإنسان يستخدم قواه العقلية والحسية لكي يختار مصيره. يقول: نحن بين اعتبارين: - الاعتبار الأول: أنه مكشوف لعلمه الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم … وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم. فعلم الله شامل محيط، غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث.
- الاعتبار الثاني: أن هذا العلم الأزلي الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم، إنما هي كما تنص الآية: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا، فهم لم يفتحوا القلوب التي أُعْطُوهَا ليفقهوا ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات، تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية، ولم يفتحوا
تركيزا واضحا على الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يجب أن تطبق على مؤسسات المجتمع، وأولاها أهمية قصوى، وبذل غاية جهده في إيضاح منهج القرآن في إقامة مجتمع إسلامي يحقق التصور الإسلامي السليم، وينعم بعدالة اجتماعية كاملة، هذا فضلا عن استيعابه للبعد الديني، المتمثل في جانب العقائد، وقد وقف فيه موقفا وسطا بين النزعة العقلية كما تبدت عند الزمخشري ومحمد عبده والنزعة السلفية كما نراها عند ابن تيمية وابن القيم.
وعموما هو تفسير، مستنير سهل التناول عميق الفكرة، واضح العرض جيد الأسلوب فيه نظرات واقعية تعانق أشواق الإنسان إلى حياة المجد، وتهديه إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة.