عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٢٤عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الأولى: أن يقول بعض المخالفين: إن الله وعد وتوعد، لكن يجوز أن يخلف وعيده. وهذا كلام لا يُقبل في العقل؛ لأن الخلف هو أن يخبر أن يفعل فعلا في المستقبل ثم لا يفعله في حق الله -تعالى- كذب، والكذب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح، وإلى هذا أشار بقوله: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبيد) (ق: (29) هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو جاز الخلف في الوعيد لجاز في الوعد؛ لأن الطريق في الموضعين واحد.
الثانية: أن يعترض المخالف بقوله: إذا كان الله وعد وتوعد ولا يجوز عليه الخلف والكذب فقد يجوز في عموميات الوعيد شرط واستثناء لم يبينه الله -تعالى-.
والرد على ذلك أن يقال له: إن الحكيم لا يجوز له أن يخاطبنا بخطاب لا يريد به ظاهره،
ثم لا يوضح مراده، إذ إن ذلك يجري مجرى الألغاز والغموض، وذلك لا يجوز على الله). نستنتج من ذلك أن المعتزلة ترى وجوب الثواب والعقاب وأن وعد الله بالثواب للمؤمنين لا يتخلف، وكذا وعيده بالعقاب للعصاة. وكما أن الوعد صريح وليس فيه استثناء، كذلك وعيده صريح ليس فيه شرط ولا استثناء
ثالثا: رأي عمرو بن عبيد:
اعتقد عمرو بن عبيد في قيمة الوعد والوعيد، وأهميته في حياة الناس، لذلك ذهب يذيعه بين المسلمين ويُرَوِّج له، ويبين بأن الله كما أنه لا يخلف وعده لا يخلف وعيده أيضا، وأن المسألتين في التصور الإلهي سواءً ولا فرق بينهما. وقد ترجم عمرو أقواله في سلوك يومي، ودعوة متكررة، لإذاعة فكرته في أوساط المتكلمين والمثقفين من خلال الحوارات التي كان يجريها معهم. وكان أبو عمرو بن العلاء وهو أحد البلغاء وعلماء اللغة الكبار له نصيب في ذلك، -
فقد سأله عمرو قال: لا.
قائلا له: يا أبا عمرو، يخلف الله وعده؟
قال: أفريت إن وعده على عمل عقابا يخلف وعده؟
فقال أبو عمرو بن العلا من العجمة أتيت يا أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد خلفا ولا عارا إن تعد شرا ثم لا تفعله ترى أن ذلك كرما وفضلا، إنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا
تفعله.
(1) شرح الأصول، ص 135 - 137.