عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

127

فبعض قبائل العرب كانوا يعبدون الأصنام ويسجدون للتماثيل وبعضهم تحنف أو تنصر، وبعض القبائل كانوا يتدون البنات ويشربون الخمر، وبعضهم امتنع عن ذلك، ومنهم من كان يقطع الطريق ويقتل الرجال ويسجن النساء، ومنهم من اشتهر بالنخوة والشهامة ونجدة الملهوف ونصرة

المظلوم.

نريد أن نبين أن هذا السلوك الاجتماعي المتنوع والاختلاف في العادات والتقاليد أدى إلى تباين في اللهجات والقراءات وانعكس جليا في مضمون اللغة وطريقة فهمها؛ لأن اللغة عبارة عن مواضعات بين أفراد المجتمع. أريد أن أقول: إذا كانت بعض القبائل تعد خلف الوعيد كرما، فتوجد روايات أخرى تقول إن العرب تتمادح بتحقيق الوعيد، وتعده فضلا وكرما وشرفا. يروي أبو حيان التوحيدي قول أحد الشعراء:

600

غلام من شراة بنسي لؤي ومنا في العمومة والجدود

خليق عن تكامل خمس عشر

بإنجاز المواعد والوعيد

ثم يعقب على ذلك بقوله: "في هذا البيت معنى لطيف ربما غفل عنه؛ وذلك أن الذين أبوا الوعيد وحققوا الإنجاز، زعموا أن الأعراب لا تتمادح بتحقيق الوعيد، وإنما تتمادح بإنجاز الموعود؛ لأن في تحقيقه ضربا من اللؤم، وفي إنجاز الوعد كل الكرم، فعلى هذا إن قال الله -تعالى- في الوعيد ما قال فأمره إليه إن شاء حقق وإن شاء صفح"

(1)

ومن ثم نرى أن الذي استشهد بأقوال العرب في هذه القضية لا يسعفه هذا الدليل؛ لأن

دليل اللغة محايد، ويستشهد به كلا الطرفين في القضية أصحاب خلف الوعيد، وأنصار إنجازه. - إذا افترضنا جدلا أن خلف الوعيد مقبول في التصور البشري فليس معنى ذلك أن نطبقه على المنظور الإلهي، وأن ما يصلح في عالم الشهادة نستطيع أن نسحبه على عالم الغيب، وليس هناك ضرورة منطقية أو عقلية أو نقلية تدفعنا إلى قياس هذا على ذاك؛ لأن ذلك مخاطرة عظيمة، ومسألة قياس الغائب على الشاهد في "جميع الأحوال أمر غير مقبول، وهذا يفضي بنا إلى نتيجة مؤداها أن ليس من حقنا الزعم أن الله يخلف وعيده؛ لأن الخلف في حق الله قبيح، وإذا جوزنا الخلف في الوعيد فمن الذي يضمن لنا الخلف في الوعد أيضا.

(1) البصائر والذخائر، 177/ 1