عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٢٨12
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ولعل كلمة أبي حيان التوحيدي فيها قدر من التحرز، وتفويض الأمر إلى الله، فإذا قال
الله -تعالى- في الوعيد ما قال فَأَمْرُهُ إليه إن شاء حقق، وإن شاء صفح. وعلينا الإيمان بما جاءت به النصوص الصريحة الواضحة، وهو أن الله محقق وعده ووعيده، ثم بعد ذلك إن الأمر موكول إلى المشيئة الإلهية في أمر الوعيد.
رابعا: توبة القاتل
ذهبت بعض الروايات إلى القول أن الحسن البصري كان يقرر أن لا توبة لقاتل المؤمن متعمدا (). ونعتقد أن هذه المقولة التي تنسب إلى الحسن ربما قيلت في موقف معين، قصد منه التنفير والتخويف والترهيب فقال ما قال ليصد المقبل على ارتكاب هذه الجريمة ويحذره من الإقدام عليها، فأوصد أمامه باب التوبة قبل الولوج إلى ميدان الكبيرة.
وتذكر بعض الروايات أن سائلا جاء إلى عبد الله بن عمر يسأله عن توبة القاتل عمدا، فلما أدرك عبدالله بحدسه وحسن فراسته أن السائل لم يرتكب الكبيرة، غير أنه ينوي الإقدام عليها، واسْتَشَفَّ من سؤاله أنه بصدد التخطيط لهذا الجرم الخطير، فأجابه بالنفي، وأكد له أن لا توبة لقاتل النفس الإنسانية متعمدا.
وتمضي الرواية قائلة: إن سائلا آخر حضر إلى عبدالله بن عمر ووجه إليه السؤال نفسه، ولما أدرك ببصيرته النافذة، وقرأ خاطر الرجل أنه ارتكب الكبيرة فعلا فلم يُيْنسه من رحمة الله ويصده عن الإنابة إلى الطريق المستقيم، وأجاب بأن الله يقبل التوبة وتلا قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحيم لله (الزمر: (53). ولعل الحسن البصري في قوله السابق قد وقع له ما وقع لعبدالله بن عمر، فوقف من السائل موقف الصد والتحذير، وقفل الأبواب جميعها أمامه حتى يتزجر ويرتدع. وقد سمع عمرو بن عبيد مقولة الحسن البصري دون أن يتفهم الملابسات التي أحاطت بها،
فَدَسَّ إليه رجلا وقال: قل له: لا يخلو أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا أو فاسقا: فإن كان مؤمنا فإن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا) (التحريم: 8). وإن كان كافرا فإن الله يقول: قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مضت سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) (الأنفال: (38).
(1) ربيع الأبرار، 193/ 1