عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٣

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

وأهمية هذا المنهج أنه يقوم بغربلة كثير من المسائل التي حُشِيَ بها التراث العربي، وتصفيتها لاسيما فيما يتعلق بحكايات وخرافات وأساطير تجاوز أساطير اليونان وهم يتحدثون عن زواج الآلهة وصراعهم في عالم السماء.

وسوف يلمس القارئ كثيرًا من الأفكار الأسطورية التي أَوْرَدَهَا المؤرخون العرب -وهم

-

مغرمون بإيراد العجائب والغرائب تتعلق بسيرة عمرو بن عبيد تتجاوز حدود الطاقة الإنسانية والملكات التي منحها الله لهذا الموجود الضعيف. وقد وضعتها داخل إطار المنهج الشكي النقدي وحاكمتها محاكمة عقلية منطقية منصفة، محاولا الوصول إلى لب الحقيقة أو البحث عنها على الأقل، سواء أكانت هذه المزاعم مؤيدة له أم، معارضة هذه ليست القضية، ولكن الأهم كيف نصل إلى الحقيقة من خلال ركام من الأباطيل وتلال من الحكايات المزيفة، والمبالغات المشهورة في الأدبيات العربية.

لذلك لم أَتَوَانَ في رفض هذه القصص وإنكارها إنكارًا، تاما، واستخدام "نصل وليم أو كام" (1249) أو "سكينته" في بتر هذه الحكايات واجتثاثها من جذورها كما كان يعلمنا أستاذنا المغفور له الدكتور زكي نجيب محمود (1993 م): يجب أن نجتث بالنصل كل كائن لا ضرورة لوجوده لتفسير الظاهرة التي نفسرها بحيث لا نبقى إلا على ما تدعو لوجوده ضرورة التفسير).

فمثلا حينما يزعم المؤرخون أن عمرو بن عبيد صلى أربعين عاما صلاة الفجر بوضوء المغرب"، وأنه "كان يحيي الليل في ركعة واحدة". مثل هذه الروايات تحتاج أن نطبق عليها المنهج الشكي والنقدي معا ليس هذا فحسب، بل من الأفضل أن نستخدم "نصل أو كام" لكي نبترها بترا من التراث، أو تلقيها في مدفاة ديكارت" غير آبهين حتى لا تشيخ الوهم والخرافة في العقول، ولا نرفع مقام البشر إلى عالم الملائكة، ولا نصنع عقولا قابلة للاستهواء، ومُستعدة لتصديق دخول الجمل في سم الخياط.

ومن الجدير بالذكر أنني لا أصادر حرية أحد في الاعتقاد بهذه الروايات والتصديق بها، فهذا حقه وعليه أن يعتقد كيفما يشاء، ويؤمن بها حيثما كان بيد أنني أطالبه أن يكون بيننا

عبر (أو كام) عن منهجه بقوله: "لا ينبغي أن نكثر من اقتراض وجود كائنات بغير مبرر".

(1) المنطق الوضعي، 267/ 2