عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٣٢عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
الفصل الخامس: المنزلة بين المتزلتين
أولا: أسباب ظهور أصل المنزلة بين المنزلتين:
يتميز هذا الأصل بأن له صلة مباشرة بظهور مذهب الاعتزال كما يذهب جمهور من المؤرخين، ولمعان واصل بن عطاء على الساحة الفكرية، الذي كسب إلى صفه عمرو بن عبيد، وكونا مذهبا مستقلا، تحددت ملامح صورته فيما بعد ذلك. ويسمى هذا الأصل بمسألة الأسماء والأحكام. ولا ريب أن التطورات السياسية المؤلمة التي مرت بها الدولة الإسلامية هي التي ساعدت تدريجيا على ظهور هذه المسألة، ومناقشتها على ألسنة الفقهاء وعلماء الكلام، بل ذاع صيتها وتَدَاوَلَهَا العامة والخاصة.
فما كاد يمضي على الدولة التي أرسى قواعدها الرسول صلى الله عليه وسلم بأركانها السامقة، ومبادئها المثالية، وغايتها السامية- عَقْدَان من الزمان، حتى دَبَّت الفتن فيها، وثارت النعرات الطائفية والثارات القبلية، والشهوات الجاهلية، وقُدِّمَ عثمان بن عفان الله قربانا لهذه الفتن المدلهمة، وسفك دمه جهارا نهارا بِيَدِ من يُسَمُّونَ أنفسهم مسلمين، وتولى الخليفة الرابع عام (35 هـ) حكم الدولة في وسط هذه المحنة الكبرى والظروف الصعبة التي عصفت باركان الدولة الناهضة، وفككت عراها، وقصمت ظهرها وشتت وحدها، فلم يتهنَّاً بالخلافة، ولم يستطع أن يلتقط أنفاسه كي يعيد الأمور إلى نصابها، أو يوطد حكمه، ويطبق مبادئ الإسلام ومن المحزن أنه قضى سنواته القليلة في صراعات سياسية، اتخذت الدين، ستارا، وقد ثارت عليه السيدة عائشة أم المؤمنين ومعها الزبير وطلحة وهما صحابيان جليلان ومن المبشرين بالجنة، وكانت وقعة الجمل (36 هـ) التي قتل فيها آلاف من المسلمين الأبرار الأطهار الأتقياء وعلى رأسهم الزبير وطلحة. ولم يكد يفيق المسلمون من هول هذه الصدمة الثانية النكدة حتى انبرى معاوية بن سفيان والي الشام بالتمرد على الخليفة الرابع، والخروج عليه، ورفض الانصياع أو الاعتراف بإمامته، ورفع "قميص عثمان" ذريعة لتمرده، وسببا وجيها يتخفى وراءه.
المهم كانت المأساة الثالثة، وهي معركة "صفين" (عام 37،36 هـ)، وفيها أيضا دَفَعَ المسلمون من كلا الفريقين الثمن غاليا من دمائهم وأرواحهم، فاتسع الخرق وعم البلاء، وعظمت المصيبة، ثم كان ما كان من تفكك معسكر الإمام علي، وأصبح أصدقاء الأمس وأنصاره والمدافعون عنه أعداءه اليوم وهم الذين رفضوا التحكيم، وفشلت الحلول السلمية بين أصدقاء