عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الأمس وأعداء اليوم، فالتقوا في مأساة رابعة سميت بمعركة النهروان وكانت من نتيجتها أن جرت الدماء أنهارا، وأزهقت الأرواح هباء، وملئت القلوب بالحقد والكراهية وتصدع بنيان الدولة أيما تصدع، ثم دفع الإمام علي حياته ثمنا لهذه المصائب المتدافعة كأنها الشلال الهادر، وقتل بيد عبدالرحمن بن ملجم عام (40 هـ). ونزل بنو أمية الميدان وحولوا صورة الدولة الإسلامية المثالية الفريدة إلى صورة ممسوخة فعطلوا أركانها، وبدلوا قواعدها. وتمثل ذلك في الحكم الفردي الاستبدادي، واعتلى معاوية الحكم وسار سيرة أخرى تمثلت في إيثار المصالح السياسية على الجوانب الدينية. وجاء يزيد فزادت الفتن لما اشتهر عنه من انصرافه عن شؤون تدبير الدولة وميله إلى العبث والمجون. وفي عهده ثار الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة (60 هـ) ثورته المشهورة في مواجهة ظلم الأمويين، وكانت النتيجة معروفة فقتل شر قتلة، وجزت رأسه. لذلك قال المؤرخون ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء (1)

إن الذي يُهمنا من هذه الأحداث المأساوية الدامية التي شقت وحدة المسلمين، وجعلتهم شظايا متفرقة وأحزابا متنافرة وفرقا متناصرة، ومذاهب متخاصمة حتى يومنا هذا هو أن جمهرة من العلماء والفقهاء بدؤوا يتساءلون: ماذا نسمي هؤلاء الذين قتلوا، وماذا نطلق على الذين قتلوهم؟ وما حكم هؤلاء القتلة أهم مؤمنون أم كافرون؟ وما حقيقة الإيمان، أهو الاعتقاد فقط بالقلب، أم إقرار باللسان والإعلان عنه منفصلا عن العمل، أم أن العمل جزء من الإيمان؟ كيف نحدد ماهية هذا الإنسان المسلم الذي استل سيفه في وجه أخيه، وصرعه وسفك دمه؟ هنا بدأت تتبلور قسمات الفرق السياسية، فقد أفرزت معركة النهروان فرقة الشيعة" أنصار الإمام علي وفرقة المحكمة التي أطلق عليها المؤرخون اسم "الخوارج"، ثم تبلورت ملامحها في فرق الأزارقة والنجدات والصفرية والذين احتكموا إلى السيف انتقاما لقتلاهم، وفرقة أخرى

حينما قتل علي بن الحسين قال الحسين قتل الله قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله مقاتل الطالبين، ص 115). ولم يكن الحسين الثائر يعلم أن اليد الأئمة التي قتلت ابنه سوف تتجرأ على الله وتقتله أي الحسين - أيضا.

ونقول نحن أيضا: قتل الله قوما قتلوك يا حسين، ما أجرأهم على الله

(1) المبرد: الكامل، 210/ 2. مروج الذهب، 12/ 3، 64 117. ابن طباطبا الفخري في الآداب، ص 20، 51.

** بعض المؤرخين يُرجعون التشيع إلى حياة الرسول نفسه وهم جماعة محبي الإمام علي، والذين ناصروه دائما للوصول إلى الإمامة.