عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٣٨عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
فقال عمرو ما بيني وبين الحق، عداوه، والقول قولك فليشهد علي من حضر أبي تارك للمذهب الذي كنت أذهب إليه قائل بقول أبي حنيفة، وإني قد اعتزلت مذهب الحسن في هذا الباب (1). وقد عقب الدكتور النشار على هذه المحاورة بقوله: ومن هنا نرى أن عمرا اختلف مع الحسن ومع واصل ولكنه يعود إلى الصواب إذ رأى صحة رأي الآخرين، وانتهى الأمر به أن وافق واصلا في كل، آرائه ولزمه ملازمة كاملة (2).
وهذا يبين مدى سعة أفق عمرو، وبعده عن التعصب وقبوله للحق أيا كان مصدره. وفي الوقت نفسه يؤكد زيف ادعاءات البغدادي: بأن واصلا حينما اعتزل سارية من سواري مسجد البصرة "انضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد كعبد صريحة أمة وأنهما اعتزلا قول الأمة (3). ويلاحظ أن البغدادي الهم واصلا وعمرا بجملة الهامات:
- أنهما على طريق الضلال، وأصحاب بدعة.
أنهما منحرفان عن قول الأمة.
- أنهما كافران علاوة على أنه وصف عمرو بن عبيد بأنه عبد ذليل.
واللافت للنظر أن هذا المؤرخ الأشعري سامحه الله - لم يكتف بتشويه فكر المعتزلة، بل شوه فكر الفرق الإسلامية جميعها وآراءها، ووزع عليهم الاتهامات ورمى أغلب مفكري المعتزلة والزيدية والإباضية والجهمية بالبدعة والتهتك وشرب الخمر والانحراف عن الدين، بل ولم يتورع جملة يتهم. منهم بالكفر وإليه يرجع السبب الأول في تشويش الآراء العقائدية عند هذه الفرق وتحريفها، وإلصاق التهم بهم، والتزيد عليهم ونسب أقوالا لهم لم يقولوا بها، ولم يحترم أمانة القلم ولم يقدر رسالة العالم الديني ودوره في إشاعة جو التسامح والتقريب بين المذاهب، والعمل على
أن
تضميد الجراح بين فرق المسلمين السياسية.
(1) ابن المرتضى: طبقات المعتزلة، ص 36، 38. الأمالي، 114/ 1، 115. أبو زهرة: تاريخ الجدل، ص 217.
(2) نشأة الفكر 466/ 1
(3) الفرق بين الفرق، ص 118
من المعلوم أن البغدادي نقل أغلب الاتهامات من كتاب ابن الرواندي: فضيحة المعتزلة، وأخذ عنه الكثير، والصقه بالفكر
الاعتزالي. وقد أشار الأستاذ نبرج، محقق كتاب الانتصار للخياط لهذه الملاحظة.