عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٤٠14
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
ج الصغائر: ويرى المعتزلة أن كل ما أتى فيه الوعيد فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد فهو صغير، والله يغفر الصغائر حينما تجتنب الكبائر. وإلى هذا الرأي يذهب العلاف، فيرى أن الصغائر يغفرها الله لمن تجنب الكبائر، على طريق اللطف والتفضل ليس استحقاقا، وكذلك الإباضية في قولهم إن غفران الصغائر موقوف على اجتناب الكبائر (2).
يتبين مما سبق أن مدار الخلاف بين الفرق ينحصر في مسألة جزاء مرتكب الكبيرة وعلى الرغم من أن جميع الفرق متفقة في جزاء مرتكب الكبيرة؛ لأن كل معصية يلزمها عقوبة قطعا لا يمكن تخلفها (3)، إلا أنهم اختلفوا في موقفه إذا لم يتب. فقد نظر المعتزلة والإباضية للمسألة. منظور المنطق الإنساني والعدل الإلهي. والعدل هنا هو ما يقتضيه العقل من الحكمة، ومن ثم فوعده ووعيده لا يختلفان.
ونظر الأشاعرة وأهل السلف للمسألة من باب الرحمة الإلهية وفي الحديث: "إن رحمتي تغلب غضبي. وأن العذاب هو وسيلة وليس غاية، وليس مطلوبا لذاته، والوسائل تضمحل وتبطل إذا حصلت غاياتها والنار خلقت تخويفا للمؤمنين وتطهيرا للخاطئين، فمن لم يتطهر في هذه الدار بالتوبة يطهره الله في النار حتى يزيل عن نفسه أدرانها، ويظل مكثه في النار بزوال هذه النجاسات فإذا تطهر خرج من النار). وهذا التقرير ينطلق من مفهومهم للعدل بأن الله متصرف في ملكه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
علوم
والقضية المحيرة أن كلا الفريقين يستشهد بآيات من القرآن الكريم تؤيد وجهة نظره، ويفسره تبعا لمذهبه والمقولة التي يقررها مسبقا ثم يأتي الفريق المخالف فيفند معطيات الآيات السابقة يُؤوِّلها بحيث تؤيد وجهة نظره أيضا، فضلا عن استشهاد كل من الفريقين بأحاديث بعضها يؤيد التأبيد، وبعضها يؤيد العفو والمغفرة والحقيقة لا نتفق مع عمرو بن عبيد في قوله بأن مرتكب
الكبيرة مخلد في النار، ولا نؤيده فيما ذهب إليه، فكيف نسوي بينه وبين الكافر أو المشرك؟
(1) المقالات 330/ 1
(2) مشارق الأنوار، 271/ 2
(3) المقيلي: الأرواح النوافح، ص 63.
(4) حادي الأرواح ص 235