عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٤٦146
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
أما شروط الداعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأهمها أن يعلم ما المعروف المأمور به، والمنكر المنهي عنه، وأن يعلم أن المنكر حاضر، واقعي، وأن تغييره لن يؤدي إلى مضرة أعظم منه، فلو علم أن نهيه عن شرب الخمر يفضي إلى قتل فئة من المسلمين لم يحسن ذلك. أضف إلى ذلك أن يغلب على ظن الداعي أن قوله له نتيجة مؤثرة في الموقف الحاضر، وأن هذا الواجب الذي يقوم به لن يعود عليه بضرر في ماله أو في نفسه ويعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات فإذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين 2 - رأينا أن الأمة اجتمعت على مبدا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب تطبيقه؛ لأنه معلوم من الدين بالضرورة. وقد احتل هذا الأصل عند المعتزلة منذ بداية ظهورهم على الساحة الفكرية مكانة هامة، وعَدُّوه ضمن مكونات عقائدهم، ولم يكتفوا بالتنظير له أو تقنينه من الناحية النظرية إنما أَوْلَوْهُ عنايتهم لتطبيقه في الساحة السياسية والاجتماعية، إذ نقلوه من المجال النظري إلى التطبيق العملي، حتى أصبح واقعا ملموسا وأمرا مرئيا يشعر به أفراد المجتمع. وقد أخذ هذا الأصل أساليب متعددة عندهم تَمَحْوَرَ في النقاش والحوار والبرهان ومدافعة الحجة بالحجة، ثم أخذ صورة أخرى تمثل في بذل الجهد والوسع في الفعل واستخدام اليد قدر إمكان الأمر وحسب مستطاعه تارة أخرى، ثم تمثل أخيرا في الخروج عن الحاكم الجائر بإعلان التمرد والثورة، والعمل على إزالته من الحكم بالقوة والسيف تارة ثالثة.
وسوف نجد لهذه الأساليب المختلفة صدى عمليا في سلوك عمرو بن عبيد، باستثناء استخدام القوة والسيف في وجه السلطان الجائر. فأغلب النصوص التي بين أيدينا، ومعظم الوقائع التي سوف نتعرض إليها والأحداث التي عاناها في الواقع الاجتماعي تشير إلى استخدام اللسان واليد دون استخدام العنف أو السيف. وقد تمثل موقفه في تطبيق مبدا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صورا متعددة وأشكالا متنوعة ونحن بسبيل الحديث عنها.
:ثانيا موقفه من الدولة الأموية: 1 - من خلال استقراء الوقائع التاريخية يلاحظ أن المعتزلة كافة يفضلون الإمام عليا على معاوية، وينظرون إلى معاوية على أنه لا يستحق الخلافة، ومن ثم فهو مغتصب لها، ولم يكونوا راضين عن انتقالها إليه. هذه نقطة والنقطة الأخرى أنه بعد أن استولى على الخلافة انقلب على مبدا
(1) شرح الأصول، ص 140 - 148،مقالات 337/ 1 الفرق بين الفرق، ص 347 منهج الدعوة عند الإباضية، ص 185.