عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

17

الشورى، وجعل الحكم، وراثيا وظهر بمظهر الملك المستبد، وصادر حريات الآخرين. هذا الواقع السياسي أدى إلى عزوف العلماء وقادة الفكر عن المشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وكان هذا أحد أسباب انسحاب المعتزلة من الساحة السياسية، وانكفائهم على أنفسهم، وعكوفهم على العبادة، وتفرغهم للعلوم الدينية والعقلية والإبداع فيها، وظلوا ينتظرون الفرص السانحة للمشاركة في القرار السياسي.

ولو ألقينا نظرة على التاريخ السياسي الإسلامي وتأثيره في الفكر العربي الإسلامي فسوف تجد مئات من النماذج الفكرية التي طَوَّحَتْ بها يد السياسة المستبدة، فهجرت المشاركة في نظام الحكم وانكفات على ذاتها، وأحجمت عن تقديم العون الفكري والإصلاحي للحاكم، أو إبداء النصيحة التي ربما تنقذ الأمة من مصائب متوقعة، وكوارث محققة، وزلازل على الأبواب". بعد هذا الاستطراد نعود فنقول:

* هذا ما نراه عند محمد عبده، حينما أهين وحوكم وسجن في مصر، ونفي من وطنه إلى بيروت، فطلق السياسة، وامتنع عن الخوض فيها، وعكف على كتبه وتفاسيره وحصر همومه الوطنية والقومية في تعليم شباب الجيل الواعد وتربية نفوسهم، وتنوير عقولهم، فلعل التربية الفكرية الإسلامية تنجح فيما فشلت فيه السياسة.

وكذلك هذا نقرؤه في مؤلفات الدكتور عبدالرحمن بدوي (2002 م) الذي اختلف مع منهج ثورة يوليو، وأزعجه الاستبداد السياسي وطغيان السلطة، وتكبيل آراء العلماء، ومصادرة الرأي المعارض وقرض حصار حديدي عليه، والبطش والعدوان، والاعتقال والسجن لنخبة من المثقفين. وقد نشرت كتب صورت التجربة الحية للقهر النفسي، وقتل كرامة الإنسان وإهدار آدميته، لاسيما أن هؤلاء المفكرين الكبار عاشوا هذه التجربة المرة والمريرة هذا ما نقرأه في شيوعيون وناصرون": لفتحي عبد الفتاح ورسائل الحب والحزن والثورة للدكتور عبد العظيم أنيس ومعارك فكرية: محمود أمين العالم. والأقدام العارية لطاهر عبد الحكيم. والبوابة السوداء لأحمد رائف. وكتب كثيرة أخرى.

فماذا يفعل عبدالرحمن بدوي؟ يمم وجهه شطر الحدود، فاخترق السدود وهجر وطنه وأساتذته ورفاقه وتلامذته ومحبيه ومريديه، وعاش في الخارج غريبا مغتربا متوحدا، صامتا عزوفا عن الشهرة، عاكفا على العلم، فأبدع وأجاد وأنتج وأفاض، وأصبح مؤسسة معارف كاملة لا يقوم بها إلا العصبة أولو القوة من العلماء الأكفاء الأقوياء، والأمثلة تند عن الحصر، والتاريخ حافل بمثل هذه الشخصيات (د. محمد الزيني هوامش على سيرة عبدالرحمن بدوي).