عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

148

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

إن ما ادعاه الشهرستاني بأن واصل بن عطاء خطأ الإمام عليا في حروبه مع أصحاب الْجَمَل) وأصحاب صفين فأمر مشكوك فيه للغاية، ونحن نؤيد الشيخ أبا زهرة في قوله: بأن كثيرين يشكون كل الشك في نسبة هذا القول إلى واصل (2).

والمعلوم أن هوى واصل وعمرو ومعهم المعتزلة كانا مع الإمام علي، وأنهما وضعا معاوية وأصحابه موضع النقد والتجريح ويقال إن عمرو بن عبيد خون عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفيء. واعتقد أنهما أخفيا هواهما خوفا من بطش الأمويين، لاسيما وأنهما كانا يعيشان في عصر أخذ الناس فيه بالظنة ونادى ولاة الدولة الأموية بشعار "إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها". بعد أن أرسوا مبدأ أخذ الولي بالمولى والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم حتى يحذر الرجل أخاه، فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد (3).

أضف إلى ذلك أنهما اتبعا مبدأ "التقية" اقتداء بشيخهم الحسن البصري، الذي هاجم الأمويين هجوما شديدا في حدود المتاح له بالقول والحوار والفتاوى التي كان يصدرها، وفي الوقت نفسه رفض الثورة عليهم، وقال: "إن الله إنما يغير بالتوبة ولا يغير "بالسيف". لذلك ثبط الناس عن المشاركة في ثورة عبدالرحمن بن الأشعث وقال لسائله: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. فقال: ولا مع أمير المؤمنين؟ قال: نعم).

وقد هدده الحجاج تهديدا مباشرا وطلب منه أن يكف عن التعرض للأمويين بالنقد والتشهير ويقصر حديثه على الأمور الدينية والقضايا الشرعية محاولة منهم حصر مفهوم الدين في مسائل العقيدة وشكليات العبادة. وهذا مفهوم خاطئ؛ لأن فاعلية الدين لا يقتصر على ميدان العقائد والعبادات، بل يشمل كل ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الفكرة التي أريد أن أصل إليها أن واصلا وعمرا قد نقما على معاوية وأعماله، ونقدا تصرفاته، وكانا حربا على سياسة الأمويين، ولما لم تكن الفرصة سانحة لم يَرتنيا الثورة على جورهم. وهذا يفسر لنا لماذا لم يَكُز المعتزلة الثورات المتتالية، مثل التي قام بها الأزارقة والجهمية والإباضية.

(1) الملل 49/ 1. الفرق بين الفرق، ص 120.

(2) الإمام زيد ص 54

(3) البيان والتبيين 62/ 2 (ط: هارون).

(4) طبقات ابن سعد.164/ 7 ضحى الإسلام 81/ 2