عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٤٩عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
129
وعانوا معاناة رهيبة من بطش الأمويين وولاتهم، وقد آثروا التريث والانتظار حتى يُعدوا للأمر عدته، ويكونوا على ثقة من نجاح ثورتهم وهذا الموقف المعتدل دعا الأمويين إلى عدم اضطهاد كبار رجالهم أمثال واصل وعمرو على حد تعبير أحمد أمين).
وهذا لا ينفي أن بعضا منهم اشترك في ثورة ابن الأشعث (85 هـ)، وثورة الحارث بن سريج (127 هـ). علاوة على اشتراكهم في ثورة زيد بن علي (122 هـ) الذي كان له علاقات طيبة مع واصل بن عطاء منذ أن التقيا في المدينة المنورة المدارسة العلوم الدينية". كان موقف عمرو من الوليد بن يزيد موقف المهاجم الناقم عليه وعلى تصرفاته ومن ثم ناصر ومعه المعتزلة - ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك (126 هـ).
ويرى كثير من المؤرخين أن تولي الوليد بن يزيد السلطة كان إيذانا بزوال الخلافة الأموية، وقد أجمعوا على أن سلوكياته الشائنة كانت تخالف أبسط قواعد الإسلام البديهية، إذ ظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف بمبادئه، وتماد في الشراب وطلب اللذات قبل أن يتولى الخلافة. ولما وليها لم يرتدع ولم يحترم مقام الخلافة وهيبتها، بل زاد في اللهو وطلب اللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ، ومنادمة الفساق وسماع الغناء. وقد رماه بنو هاشم وبنو الوليد بغشيان أمهات أولاد أبيه، وبالكفر. وبالجملة: يُجمع المؤرخون من سنة وشيعة وإباضية ومعتزلة أن الوليد بن يزيد كان ماجنا سفيها، يشرب الخمر ويقطع دهره باللهو والفنا (2)
وتطبيقا لمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انبرى المعتزلة لسلوك هذا الخليفة المجافي المبادئ الإسلام وقواعده المعلومة، وتصدوا لتصرفاته الهوجاء، وهاجموا أفعاله المخلة بالقيم الدينية. وكان عمرو بن عبيد من المنادين بخلع الوليد بن يزيد وحض أصحابه على نصرة ابن عمه يزيد بن الوليد الذي اعتنق الأصول الخمسة، ليس هذا فحسب بل لما اشتهر عنه من السيرة المحمودة والأخلاق الطيبة، إذ كان يظهر النسك والتواضع، والسلوك الحسن، والعدل بين الناس، أضف إلى ذلك عدم رضاه عن تصرفات ابن عمه فثار عليه مدركا أهمية تخليص المسلمين من هذا الحاكم
(1) فجر الإسلام، ص 295
سوف نشرح هذه المسألة بالتفصيل عند الحديث عن موقف عمرو بن عبيد من الدولة العباسية.
(2) المعارف، ص 206 مروج الذهب 225/ 3 تاريخ الطبري، 222/ 4. تاريخ الخلفاء، ص 000