عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الجائر العابث ولعل خطبته بعد قتله لابن عمه تلخص حقيقة شخصيته وثورته يقول: "أيها الناس والله ما خرجت أشرًا ولا بَطَرًا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك؛ ولكن خرجت غضبا الله ودينه، داعيا إلى الله وإلى سنة نبيه لما هدمت معالم الهدى، وأطفئ نور التقوى، وظَهَرَ الجبار العنيد المستحل لكل حرمة والراكب لكل بدعة، الكافر بيوم الحساب. فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد وطهر منه البلاد (1). وهذه الخطبة توضح أن غضبة الوليد كانت غضبة لمبادئ الدين التي انتهكت، ومقام الخلافة الذي أزرى به وحقوق المسلمين التي أهدرت يقول المسعودي: "كان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع طائفة من المعتزلة وغيرهم على الوليد بن يزيد لما ظهر فسقه، وشمل الناسَ جَوْرُه (3).

وقد أطلق المؤرخون على يزيد بن الوليد لقب "الناقص" بعد ثورته على ابن عمه واستيلائه على الحكم، ليس تنقيصا من شخصيته أو تقليلا من الدور الذي قام به، أو أنه كان يعاني نقصا في جسمه أو في عقله، لم يكن هناك شيء من هذا كله وإنما نقص بعض الجند من أرزاقهم، ونقص الزيادة التي زادها الوليد بن يزيد للناس في أعطياتهم.

وحقيقة الأمر أن الوليد بن يزيد كان قد زاد الهبات وأسرف في الأعطيات للناس

كنوع من أنواع الرشوة حتى يمنع تمرد الجند، ويطيب خواطر الناس، ويكفوا عن نقد سلوكياته، وهذا كان مسلك بني مروان. لذلك قام يزيد بن الوليد بتقليل هذه الهبات وإنقاصها للمستوى المعقول، وإعادة الحق إلى نصابه (3).

ومن الجدير بالذكر أن مؤرخي المعتزلة يتشيعون ليزيد بن الوليد؛ لأنه دعا الناس إلى

القدر أي إلى حرية الإرادة وقرب أصحاب غيلان فضلا عن أنه كان معتزليا، بل ويبالغون في محبته فيقولون: إنه أفضل في الديانة من عمر بن عبدالعزيز (101 هـ) (4).

(1) عيون الأخبار 270/ 2

(2) مروج الذهب 239/ 3. محمد عمارة: تيارات الفكر، ص 81

(3) المعارف، 207 تاريخ الطبري، 236/ 6 مروج الذهب، 234/ 3. تاريخ الخلفاء، ص 304.

(4) مروج الذهب 239/ 3