عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٥عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
15
- ولا غرو أن نعود إلى هذا التراث نفتح كنوزه ونستمد منه النور والمبادئ الفعالة، وحسبه أن فيه عقيدتنا التي هي جوهر شخصيتنا المعاصرة. "وسيجد القارئ أن أسلافنا هؤلاء بلغوا في التحرر الفكري في أمور العقيدة مبلغا عظيمًا، صرنا نتمنى اليوم أن نصل إليه، بل أن نقترب منه ونرجو من وراء هذا أن يكون وسيلة إلى تجديد التفكير الإسلامي". (1)
وفي الوقت نفسه علينا أن نغض الطرف عن الجانب اللامعقول في هذا التراث، ونطوي صفحته غير آسفين عليه، وإذا درسناه فلكي نتعرف على صورة العقل العربي في مرحلة تاريخية ما.
إن في هذا التراث كثيرا من القضايا والمناهج التي تمس حياتنا المعاصرة، فلقد تناول القدماء قضية الحرية الإنسانية وناقشوها مناقشة مستفيضة، وخلصوا إلى رأتين: رأي دعاة الجبرية ومن لَفَّ لَفهم، والرأي المناصر لحرية الإرادة الإنسانية كما نرى عند الزيدية والمعتزلة والإباضية. ونحن في محيطنا اليومي نجد ضغطا على شخصية الفرد وإهمالا لكل ما يمكن أن يدفع إلى ازدهارها كما نلاحظ أن مشاركة الأفراد في اتخاذ القرارات السياسية ضعيفة جدا، هناك علاقة جدلية بين ضعف مؤشرات التحرر وقوة المطالبة بالحرية (2).
- وحينما نُوَلّي شَطْرَنَا تجاه التراث لا لكي نقرر حرية الإرادة الإنسانية؛ لأن هذا الأمر بديهي مُقَرَّرٌ من الدين والعقل، ولكن لكي تنطلق من هذا النطاق الضيق إلى آفاق رحبة، لتوسيع مفهوم الحرية، حرية الإنسان في القول والفعل والعمل، وتحمل المسؤولية وتقرير المصير، والسعي الدؤوب في الحياة لنهضة المجتمع وبناء التاريخ وصنع الحضارة.
كذلك قضية الإمامة أي رئاسة الدولة فما زالت حيوية ومؤثرة في حياتنا اليومية
و مطروحة على الساحة السياسية بقوة وإصرار في هذه الأيام.
وعندما نعود إلى كتب التراث ونتوقف عند رأي الإباضية والمعتزلة على وجه التحديد، نجد أن هناك أقوالا عظيمةً وآراء معتبرة تستحق الدراسة، ومن الممكن أن نستفيد منها فكرًا ثريا وآراء بناءة تساعدنا في نهضتنا المعاصرة، ونأخذها دليلا للمضي إلى الأمام، وللتغيير المنشود
والإصلاح المرتقب في مجتمعاتنا العربية الإسلامية.
(1) مذاهب الإسلاميين: 1/ 4
(2) عبد الله العروي: مفهوم الحرية، ص 2.