عمرو بن عبيد والأصول الخمسة
الجزء ١ · صفحة ١٦16
عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة
إن نهضة الأمم أو ثورتها جيشان الحياة في نفوس الملايين وسيرة الفرد العظيم معرض الحياة إنسان ممتاز بين سائر الناس". (1) فنحن حينما نُنَقِّبُ في التراث ونعكف على دراسة سيرة حياة مفكر مميز، أو عالم من العلماء، أو أديب من الأدباء، أو فيلسوف من الفلاسفة، فالهدف من ذلك استكشاف جوانب من العظمة والعبقرية كي نتمثلها بعد ذلك في سلوكنا وحياتنا، وتشيعها في نفوس شبابنا، ونحاول أن نَتَشَرَّبَها حتى تستقر في ضمائرنا وقلوبنا وعقولنا، ولا شك أن هذا يفضي إن عاجلا أو آجلا إلى تغيير حياتنا إلى الأفضل، ويدفعنا لكي نحث السير إلى الأمام وتتلبسنا الغيرة المحمودة، كي نصنع ما صنعه أجدادنا ونبدع كما أبدعوا، ونتقدم كما تقدموا؛ حتى نواكب الحضارة المعاصرة التي خلفتنا إلى الوراء!
إن ما نعيشه اليوم لا يدعونا أبدا إلى اليأس أو القنوط، بالرغم من مرحلة الهزيمة والانكسار التي نعيشها وكانت محصلتها، سقوط بغداد. لماذا؟ لأنه هكذا قيام الحضارات وسقوطها والاستقراء العلمي يُظهِرُ أن حركة التاريخ في مد وجزر وصعود وهبوط، وتقدم وتخلف ولنا عظة وعبرة في قيام الحضارة العربية الإسلامية التي انتشرت شرقا وغربا من حيث المكان، وعاشت مُدَدًا متطاولة من حيث الزمان، وأزهرت وأينعت وأثمرت ومدت يدها بالخير العميم والنفع العظيم إلى الأمم التي كانت تعيش في ظلام حالك، ولم تكن تعرف حتى النظافة الشخصية.
واليوم حينما دار الزمن علينا ووهنت عزيمتنا وخبت أنوار حضارتنا، يجب أن لا نيأس وأن نعاود العمل والكفاح "إن الكفار قد تعلو رايتهم وتنتصر، جنودهم، ليكن، فذلك إلى حين لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران:
(1) عباس العقاد: أنا ص 105
راجع في ذلك الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور أوربا في العصور الوسطى وأيضا سيجريد ندهونكه: شمس العرب تطل على
الغرب.