عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

152

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

وحقيقة العلاقة بين عمرو والمنصور ترجع إلى زمن بعيد قبل تولي المنصور الخلافة. وهي

تبين مدى إعجاب عمرو بالمنصور، وتقديره لشخصيته ورجائه أن يصير خليفة للمسلمين. وتحكي إحدى الروايات أن عمرا دخل على أبي جعفر قبل دولة بني العباس -وكان صديقه وبين يديه طق عليه، رغيف وغضارة فيها فضلة سكباج وهو يتغدى، وقد كاد يفرغ فلما بَصُرَ بعمرو قال: يا جارية زيدينا من هذا السكباج وهاتي خبزا. قالت: ليس عندنا خبز، وما بقي من السكباج شيء. قال: فارفعي الطبق، ثم قال: عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف (129) فلما أفضى الأمر إلى أبي جعفر المنصور، وارتكب العظائم دخل عليه عمرو بن عبيد، فوعظه ثم قال: أتذكر يوما دخلت عليك، وأعاد الحديث، وقد استخلفك، فماذا عملت؟ "، فجعل المنصور يبكي وينتحب (1).

ودلالة هذه الرواية أنها تبين المودة المتبادلة بين الرجلين وعمق الصداقة القائمة بينهما، وتكشف عن رقة حال المنصور، وتواضع معيشته الذي يصل إلى حد الفقر، وتظهر طموحه لتولي إمرة المسلمين وسيطرة هذا الخاطر على تفكيره. أضف إلى ذلك جرأة عمرو في تذكيره بأيام الشدة والعسرة، وتبصيره بما آلت إليه سياسته غير الرشيدة. أما الرواية الثانية فتؤكد على استمرارية العلاقة بين الرجلين وديمومتها وحسن ظن عمرو بصديقه فكان إذا رأى المنصور

يطوف حول الكعبة قال: إن يرد الله بأمة محمد خيرا يُولَ أمرها هذا الشاب من بني هاشم). 2 - تولى المنصور الخلافة وسار في الناس سيرة غير التي بَشَرَ بها، وأخذ العهد عليها، مع اعترافنا بكل المنجزات التي قدمها للدولة الإسلامية، إذ إن هذا واجبه كحاكم للمسلمين، فكونه يسير سيرة العدل والرحمة في الرعية، ويقر الحقوق لأصحابها، ويعمل على نشر الرخاء ومحاربة الفقر في ربوع دولته. فهذه الأحوال كلها موافقة لتعاليم الدين ولقواعد العقل، وكونه ينحرف عن ذلك،

السكياج مرق يعمل من اللحم والخل والكلمة فارسية

(1) الفرج بعد الشدة، ص 224.

(2) عيون الأخبار: 308/ 1