عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

153

ويستبد بالحكم، ويأخذ الناس بالقوة والشدة والقتل والظلم المبين ويعلن في إحدى خطبه "أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده و تأييده و تبصيره (1). وفي هذا إضفاء صفة القداسة على شخصيته والاحتماء بقرابته للرسول، في حين أن أبا بكر رفض أن يدعوه الناس بخليفة الله وقال: أنا خليفة رسول الله. أقول: إن هذا كله مما يجافي مبادئ الإسلام الذي يقرر إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ

اللَّه عَليمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: (13)، ويجافي حقيقة البيعة التي تمت بينه وبين الشعب المسلم. هذه السياسة الجديدة التي اتبعها المنصور مع الرعية ومطاردته للعلويين الذين لم يهدووا في المطالبة بالخلافة وكلما جندل منهم فارسا اعتلى صهوة الجواد فارس آخر في ثورة مستمرة لم تضعف ولم تلن، وكذلك معارك قواده مع قادة الحركة الإباضية في الجنوب في حروب طويلة خلفت آلافا من القتلى، وحصدت أرواح المسلمين).

هذه الساسة الباطشة دفعت عمرو بن عبيد إلى نقدها والتشهير بها، والمطالبة بإظهار الحق والعدل واللين في معاملة الرعية وذهابه إلى المنصور ووعظه وعظا، صار مثلا للنقد الموضوعي، والحرص على مصلحة الدولة والتفاني في الإخلاص للسلطان من خلال تبصرته بمواطن الضعف في سياسته وإرشاده إلى طريق الصواب وتذكيره بأحوال الدنيا المتقلبة، وأنها مثل قبض الريح وأوراق الخريف، فالكل إلى زوال هذه نقطة والأخرى أن هذا النقد يبين زهد عمرو في مال الدولة وتعاليه عما في أيدي الملوك، ونظرته إلى مباهج الدنيا نظرة الازدراء. وعلى الجملة ترسم صورة صادقة للنقد المخلص البناء من المواطن البسيط إلى حاكم

الدولة المسلم: يقول المسعودي: "أتى عمرو بن عبيد إلى باب المنصور، فنزل عن حماره وجلس، فخرج إليه الربيع فقال له: قم يا أبا، عثمان بأبي أنت وأمي. فلما دخل على أبي جعفر أمر أن تفرش له لبود بقربه،

(1) عيون الأخبار، 274/ 2

(2) عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 132 منهج الدعوة عند الإباضية، ص 146.

* قال أحد حواري المنصور له: يا أمير المؤمنين، إن من يراك تفتك بأعدائك يعتقد أنك نسيت العفو، قال: نعم؛ لأن رقم بني أمية لم قبل بعد وسيوف العلويين لم تعمد حتى الآن، ورآنا الناس بالأمس سوقة واليوم ملوكا، لذلك علينا أن ننسى العفو والتسامح.