عمرو بن عبيد والأصول الخمسة: دراسة مقارنة بين فكر المعتزلة والإباضية محمد عبد الرحيم الزيني [دارس عن الإباضية]

عمرو بن عبيد والأصول الخمسة

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

عمرو بن عبيد .. والأصول الخمسة

الا ترى أنما الدنيا وزينتها کمنزل الركب حلوا ثُمَّت ارتحلوا حتوفها رصد وعيشها نكد …

وصفوها كدر وملكها دول تظل تقرع بالروعات ساكنها فما يسوغ لها لين ولا جدل كأنه للمنايا والردى غرض … تظل فيه بنات الدهر تنتضل والنفس هاربة والموت يرصدها *** وكل عشرة رجل عندها ما زللُ

***

والمرء يسعى لما يبقى لوارثه والقبر وارث ما يسعى له الرجُلُ).

155

ذكرت هذه الرواية الطويلة لأن عشرات من المصادر التاريخية تتغنى بها، وتتناقلها عبر العصور، وأجمع عليها جميع المؤرخين من سُنَّة وشيعة وإباضية ومعتزلة، مع اختلافات هيئة بينهم في الرواية، وتتسابق هذه المصادر في تسجيلها والشدو بها، والإعلاء من شأنها.

ونستطيع أن نستنتج من هذا اللقاء المباشر بين عمرو والخليفة الأفكار الآتية:

- عمق الصداقة بينهما، ومدى احترام المنصور لعمرو وتقدير مكانته، وإدراكه لسمو نفسه. - زهد عمرو وتعففه عن مال السلطان، وتعاليه عن منع الدنيا.

- رفض عمرو فكرة تعيين المنصور لابنه وليا للعهد ونقد هذا التصرف؛ لأن المهدي ليس جديرا

بهذه المكانة الرفيعة.

- نأي عمرو عن التقرب إلى المنصور، وهروبه منه زيادة في الورع والبعد عن مواطن الشبهات، حتى لا يقال: إنه يغشى بلاط الحاكم طمعا في ماله أو جاهه.

- تحذيره من غرور الدنيا، وتنبيهه إلى زوال هذه الهيبة وذاك السلطان؛ لأن الأيام دول، وتذكيره بيوم القيامة، وثواب الله للمؤمنين المتقين، وعقابه للبغاة المتكبرين.

- وفي بعض الروايات أن عمرو بن عبيد قال في وعظه: "بسم الله الرحمن الرحيم، والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر … إلى قوله تعالى: إن ربك يا أبا جعفر - لبالمرصاد". فبكى المنصور بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا الساعة. ثم قال: اتق الله، فإن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أن الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد غيرك ممن كان قبلك، ثم

(1) هذه هي المراجع التي نقلت هذه الموعظة أو بعضا منها: البيان والتبيين 64/ 4 عيون الأخبار، 364/ 2. مروج الذهب، 313/ 3. أمالي ابن المرضى.118/ 1 تاريخ بغداد 197/ 12 العقد الفريد، 254/ 2. الحور العين، ص 264. وفيات الأعيان، 219/ 2. زهر الآداب 144/ 1. الفرج بعد الشدة، ص 224 ضحى الإسلام، 83/ 3